تحولات الوعي السياسي المغربي واتساع المسافة بين الدولة والمجتمع

تحولات الوعي السياسي المغربي واتساع المسافة بين الدولة والمجتمع
مقالات رأي / الجمعة 21 غشت 2026 / لا توجد تعليقات: لمجيد

بقلم:عبد الفتاح الحيداوي

يشهد الخطاب السياسي المغربي خلال المرحلة الراهنة تحولا لافتا على مستوى الوعي السياسي وطبيعة العلاقة التي يرسمها جزء متزايد من المجتمع بين الدولة والمجتمع. فالأكثر دلالة في هذا التحول ليس مجرد ارتفاع سقف الانتقاد السياسي، وإنما انتقال الخطاب من التعبير عن مطالب اجتماعية أو اقتصادية محددة إلى إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، بما يجعل التمييز بين الطرفين أكثر وضوحا في الوعي العام. ويصبح المواطن، في هذا السياق، أكثر ميلا إلى النظر إلى الدولة باعتبارها طرفا سياسيا يمكن مساءلته ومناقشة اختياراته، لا مجرد إطار محايد تتماهى معه مصالح المجتمع بالضرورة.

وتزداد حساسية هذا التحول عندما يمتد النقاش من المؤسسات الحكومية والأحزاب والبرلمان إلى موقع المؤسسة الملكية نفسها داخل المعادلة السياسية. فحين يصبح الخطاب العام أكثر استعداداً لمناقشة الملك والسياسات المرتبطة به، أو تحميل المؤسسة الملكية مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة عن بعض الاختيارات والنتائج، فإن الأمر يعكس انتقالا مهما في طبيعة الثقافة السياسية، من خطاب كان يميل إلى الفصل بين شخص الملك وبين الأداء الحكومي، إلى خطاب أكثر ميلا إلى ربط مركز القرار الأعلى بالنتائج التي يعيشها المجتمع. ولا يعني ذلك بالضرورة أن المجتمع يتجه بصورة حتمية نحو القطيعة مع الدولة أو نحو الثورة، لكنه يمثل مؤشراً ينبغي أخذه بجدية لأنه يكشف عن تغير في حدود ما أصبح ممكنا قوله ومناقشته في المجال العام.

ومن منظور علم الاجتماع السياسي، تكمن الخطورة الأساسية في استمرار اتساع المسافة الرمزية والسياسية بين المجتمع والدولة. فالدولة لا تستمد استقرارها فقط من قدرتها المؤسساتية أو من أدواتها القانونية والأمنية، وإنما أيضا من قدرتها على إنتاج قدر من الثقة والقبول والاعتقاد بأن مؤسساتها تستجيب، ولو جزئيا، لتطلعات المجتمع. وعندما تتراكم لدى فئات اجتماعية واسعة صور سلبية عن الدولة ومؤسساتها، وتتحول هذه الصور إلى سردية متماسكة تفسر الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية باعتبارها نتيجة لاختيارات الدولة، فإن الاحتجاج لا يعود مرتبطا بمطلب جزئي، وإنما يمكن أن يتحول إلى اعتراض على طبيعة العلاقة السياسية ذاتها.

وتزداد أهمية هذا الأمر عندما تتراكم الأزمات والصور السلبية في الذاكرة الجماعية للمجتمع ارتفاع تكاليف المعيشة، البطالة، الإحساس بعدم تكافؤ الفرص، ضعف الثقة في الوساطة الحزبية، انتشار الاعتقاد بوجود فجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الاجتماعي، أو الشعور بأن قنوات التعبير التقليدية لم تعد قادرة على نقل المطالب بكفاءة. ففي هذه الحالة لا تعمل كل أزمة بصورة منفردة، وإنما تتراكم الأزمات لتنتج ما يمكن وصفه ب(ذاكرة اجتماعية للاحتقان)، يصبح فيها الحدث الجديد مرتبطا بسلسلة من التجارب السابقة، فتتجاوز دلالته حجمه المباشر.

وتكمن المفارقة في أن ارتفاع مستوى الوعي السياسي لدى المواطنين يمكن أن يكون، في الوقت نفسه، عاملا للاستقرار وعاملا للضغط على الدولة. فالمواطن الأكثر وعيا بحقوقه وأكثر قدرة على تحليل السياسات العامة يصبح أقل قابلية لقبول الخطابات العامة غير المفسرة، وأكثر ميلا إلى المطالبة بالمحاسبة والشفافية وربط المسؤولية بالنتائج. وإذا استطاعت المؤسسات استيعاب هذا التطور من خلال توسيع قنوات المشاركة والمساءلة وإعادة بناء الثقة، فإن ارتفاع الوعي السياسي يمكن أن يتحول إلى عنصر من عناصر تحديث الدولة. أما إذا بقيت المؤسسات عاجزة عن مواكبة ارتفاع سقف الوعي والمطالب، فقد تتحول الفجوة بين التوقعات الاجتماعية وقدرة المؤسسات على الاستجابة إلى مصدر مستمر للتوتر.

وعليه، فإن أخطر ما في التحول الحالي ليس ارتفاع نبرة الخطاب السياسي في حد ذاته، وإنما احتمال انتقاله من خطاب يطالب الدولة بتحسين أدائها إلى خطاب يعيد تعريف الدولة بوصفها (الآخر) المقابل للمجتمع. ففي اللحظة التي يصبح فيها المجتمع يتحدث عن الدولة باعتبارها كيانا منفصلا عنه، ويحمل مركز القرار مسؤولية مباشرة عن مجمل الاختلالات، تكون العلاقة الرمزية التي تقوم عليها شرعية النظام قد دخلت مرحلة تحتاج إلى إدارة سياسية دقيقة. وكلما تراكمت الأزمات دون وجود قنوات فعالة لامتصاصها، أصبحت الأحداث الصغيرة قابلة لأن تقرأ داخل سردية أكبر عن الظلم أو التهميش أو غياب العدالة.

من هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام الدولة لا يتمثل فقط في احتواء الاحتجاجات أو مواجهة الخطابات المعارضة، وإنما في منع تحول المسافة السياسية بين الدولة والمجتمع إلى مسافة نفسية ووجدانية عميقة. فالاستقرار المستدام لا يقوم على غياب الاحتجاج، وإنما على وجود مؤسسات قادرة على تحويل الاحتجاج إلى حوار، والمطالب إلى سياسات، والاختلاف إلى آلية طبيعية داخل النظام السياسي. وكلما بقيت هذه القنوات مفتوحة وفعالة، أمكن تفريغ الاحتقان داخل المؤسسات، أما عندما تفقد هذه القنوات قدرتها على الوساطة، فإن المجتمع قد يبدأ في البحث عن منافذ بديلة للتعبير، وقد تصبح الأزمات المتراكمة أكثر قابلية لإنتاج لحظات سياسية غير متوقعة.

وبذلك يمكن القول إن التحول الأهم في المشهد المغربي يتمثل في إعادة تشكيل الوعي بالعلاقة بين (الدولة) و(المجتمع)، وليس بالضرورة في وجود مشروع ثوري جاهز. فالخطر لا يكمن في النقد السياسي، وإنما في فقدان الثقة. ولذلك فإن إدارة هذه المرحلة تتطلب إعادة بناء الثقة السياسية والاجتماعية، وتعزيز فعالية الوسائط المؤسساتية، وتوضيح المسؤوليات داخل بنية الدولة، بما يمنع تراكم الصور السلبية من التحول إلى قطيعة رمزية بين المجتمع ومؤسساته. إن المسافة بين الدولة والمجتمع عندما تتسع يمكن تضييقها بالإصلاح والاستجابة والحوار، أما إذا تركت لتتغذى من الأزمات المتراكمة، فقد تصبح في مرحلة لاحقة أكثر صعوبة على المعالجة.


لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك