سينما المغرب بين العري وجرأة الجسد وخوف من توجيه الأسئلة الكبرى

سينما المغرب بين العري وجرأة الجسد وخوف من توجيه الأسئلة الكبرى
مقالات رأي / الجمعة 02 أكتوبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا

تطرح السينما المغربية في السنوات الأخيرة سؤالاً أكبر من مجرد تقييم فيلم هنا أو مسلسل هناك، وهو سؤال يتعلق بالاتجاه الذي تسير فيه صناعة يفترض أن تكون مرآة للمجتمع وفضاءً لطرح الأسئلة الصعبة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإنتاجات تستفيد من آليات الدعم العمومي، فالمشكلة التي يطرحها جزء من الجمهور والنقاد ليست في وجود مشاهد جريئة أو تناول موضوعات حساسة في حد ذاتها، وإنما في الشعور بأن الجرأة أصبحت أحياناً أسهل عندما يتعلق الأمر بالجسد والعلاقات واللغة، بينما تختفي الجرأة عندما تقترب الكاميرا من مناطق النفوذ ومراكز القرار والمال والسياسة، وهنا يصبح السؤال مشروعاً حول ما إذا كانت السينما المغربية تستثمر فعلاً في قوة الفن على مساءلة المجتمع أم تكتفي أحياناً بالمساحات الأكثر سهولة وإثارة للجدل.

والسينما التي تمول جزئياً من المال العمومي ليست مجرد سلعة تجارية عادية، فالمركز السينمائي المغربي يؤكد رسمياً أن الدولة تدعم الإنتاج والاستغلال السينمائي منذ عقود، وأن منظومة الدعم العمومي تشمل إنتاج الأفلام وتحديث القاعات وتنظيم المهرجانات، كما أعلنت لجنة دعم إنتاج الأعمال السينمائية خلال 2026 عن منح تسبيقات على المداخيل لمشاريع أفلام روائية ووثائقية، وهو ما يجعل النقاش حول مضمون الأعمال المدعومة مشروعاً تماماً، ليس بهدف فرض الرقابة على المبدعين، وإنما من أجل مساءلة فلسفة الدعم نفسه، وما إذا كان المال العمومي قادراً على إنتاج سينما تضيف قيمة فنية وفكرية للمجتمع وتفتح نقاشات تتجاوز الاستهلاك السريع والإثارة العابرة.

المفارقة التي تستحق النقاش أن بعض الأعمال تستطيع الاقتراب كثيراً من موضوعات الجنس والعلاقات والمخدرات والفقر والهشاشة والأحياء المهمشة، وتقدم أحياناً صوراً قاسية عن المجتمع، لكن الجرأة نفسها تبدو أقل حضوراً عندما يتعلق الأمر بالأسئلة السياسية والاقتصادية الأكثر حساسية، فماذا لو اقتربت الكاميرا من الصفقات العمومية المشبوهة، ومن تضارب المصالح، ومن شبكات النفوذ، ومن الطرق التي يمكن أن يتداخل فيها المال بالقرار، وماذا لو تحول البرلمان في فيلم مغربي إلى فضاء درامي حقيقي للصراع حول السلطة والثروة والمصلحة العامة، ولماذا لا نرى بالقدر نفسه أعمالاً روائية كبيرة تجعل من هذه القضايا موضوعاً فنياً عميقاً بدلاً من الاكتفاء بالإشارات العابرة أو الشخصيات النمطية.

ولا يتعلق الأمر بالمطالبة بأن تتحول كل الأفلام إلى بيانات سياسية أو محاكمات على الشاشة، فالفن يحتاج إلى الحرية والخيال والتنوع، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح بعض المواضيع شبه مستهلكة بسبب تكرارها، بينما تبقى مناطق أخرى من الواقع المغربي أقل حضوراً، فهناك عالم كامل من الشركات الكبرى والمقاولات والصفقات والاستثمارات ومراكز النفوذ والطبقات الاقتصادية والسياسية العليا يمكن أن يوفر مادة درامية هائلة، وهناك أيضاً أسئلة حول المال العام وتدبير المؤسسات والاختيارات الاقتصادية والصراعات داخل دوائر القرار، وكلها موضوعات يمكن للسينما أن تعالجها بشخصيات وحكايات ورموز، من دون أن تتحول بالضرورة إلى خطاب مباشر أو اتهام لأشخاص بعينهم.

والأمر نفسه ينطبق على علاقة المواطن بمؤسسات الدولة، إذ يمكن للسينما أن تفتح نقاشاً ناضجاً حول علاقة المواطن بالإدارة والشرطة والدرك والقضاء والجماعات المحلية، وأن تتناول حالات التجاوز أو سوء استعمال السلطة أو أخطاء المؤسسات من خلال قصص إنسانية وشخصيات مركبة، لكن ذلك يتطلب شجاعة في الكتابة أكثر من مجرد وضع مشهد صادم أمام الكاميرا، لأن الفيلم الذي يناقش السلطة بعمق يحتاج إلى سيناريو قوي وشخصيات مقنعة وبناء درامي يستطيع أن يطرح السؤال من دون أن يقدم أجوبة جاهزة، وهنا تحديداً يمكن أن تتحول السينما من وسيلة للفرجة إلى وسيلة لفهم المجتمع ومؤسساته وتناقضاته.

كما أن اختزال السينما المغربية في الجنس أو الأحياء الفقيرة سيكون بدوره ظلماً لقطاع متنوع يعرف إنتاجات وثائقية وروائية وتجارب فنية مختلفة، لكن النقد يصبح ضرورياً عندما يلاحظ الجمهور تكرار بعض الثيمات والأساليب على حساب موضوعات أخرى، فالسينما الاجتماعية الحقيقية لا تعني فقط تصوير الفقر والبؤس والجريمة والعلاقات العاطفية، وإنما يمكن أن تدخل إلى المدرسة والمستشفى والجامعة والمصنع والمحكمة والبرلمان والإدارة والشركة والمزرعة والشارع، وأن تسأل عن التعليم والصحة والعدالة والبطالة والفساد والطبقة الوسطى والهجرة والرقمنة والبيئة والتحولات القيمية، أي أن تجعل المجتمع كله مادة للحكي لا أن تحصره في زوايا محدودة.

والسؤال الأكبر هنا موجه أيضاً إلى لجان الدعم وصناع القرار في القطاع، فإذا كانت منظومة الدعم العمومي قد تطورت تشريعياً وتنظيمياً خلال السنوات الأخيرة، ودخل القانون الجديد للصناعة السينمائية وإعادة تنظيم المركز السينمائي المغربي حيز التنفيذ في شتنبر 2025، فإن المرحلة المقبلة يمكن أن تكون فرصة لطرح سؤال الجودة والجدوى الثقافية إلى جانب المعايير الإنتاجية والقانونية، فليس المطلوب أن تختار الدولة مضمون الأفلام أو أن تفرض على المخرجين موضوعات معينة، وإنما أن يكون هناك نقاش عمومي شفاف حول طبيعة المشاريع التي تستحق الدعم وكيف يمكن تشجيع التنوع والابتكار والكتابة الجريئة والمسؤولة، بما يجعل المال العمومي عاملاً في توسيع مساحة التعبير وليس مجرد وسيلة لزيادة عدد الإنتاجات.

وفي المقابل، يتحمل المخرجون والكتاب والمنتجون جزءاً كبيراً من المسؤولية، لأن الجرأة الفنية الحقيقية ليست في كشف الجسد وحده ولا في استعمال لغة صادمة ولا في تصوير حياة الهامش بطريقة قاتمة، وإنما في القدرة على الاقتراب من الأسئلة التي يخاف المجتمع أحياناً من طرحها، وصناعة شخصيات تنتمي إلى عالم المال والسياسة والإدارة والطبقة الوسطى والطبقات الثرية، ثم وضعها داخل صراعات درامية تكشف التناقضات الإنسانية والمؤسساتية، فالسينما التي تستطيع أن تجعل المشاهد يفكر بعد انتهاء الفيلم هي التي تتجاوز لحظة الصدمة، وتترك وراءها سؤالاً مفتوحاً حول الدولة والمجتمع والإنسان والعدالة والسلطة والثروة.

وقد يكون من المفيد أيضاً أن تنظر السينما المغربية إلى جمهورها بوصفه شريكاً في الصناعة لا مجرد مستهلك للتذاكر، فالأرقام الأخيرة تظهر أن القاعات المغربية سجلت أكثر من مليوني دخول خلال 2025، مع ارتفاع عدد الشاشات النشيطة إلى 87، كما تمكن فيلم مغربي واحد خلال 2026 من تجاوز 500 ألف متفرج، وهي مؤشرات تؤكد أن الجمهور موجود عندما يجد أعمالاً قادرة على جذبه، ولذلك فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط على كيفية إثارة الجمهور، بل على كيفية بناء علاقة طويلة معه من خلال قصص قوية وشخصيات حقيقية وموضوعات تمس حياته وتطرح عليه أسئلة لم يجد لها جواباً في الواقع.

لا تحتاج السينما المغربية إلى أن تصبح أكثر جرأة في تصوير الجنس بقدر حاجتها إلى أن تصبح أكثر جرأة في مواجهة الأسئلة الكبرى، فالجرأة الحقيقية تبدأ عندما تستطيع الكاميرا أن تنتقل من الحي الهامشي إلى الحي الراقي، ومن قصة العلاقة العاطفية إلى قصة المال والسلطة، ومن معاناة الفرد إلى مساءلة المنظومة، ومن تصوير الفقر إلى البحث في أسباب إنتاجه، ومن الخوف من الاقتراب من أصحاب النفوذ إلى صناعة شخصيات سياسية واقتصادية متخيلة تستطيع أن تقول ما يعجز كثيرون عن قوله في الواقع، وعندما يصبح المال العمومي وسيلة لإنتاج سينما تفكر وتحلل وتناقش وتختلف وتزعج وتفتح الملفات المسكوت عنها، يمكن عندها أن نتحدث عن صناعة سينمائية لا تكتفي بعكس المجتمع، وإنما تساعده أيضاً على رؤية نفسه بصورة أكثر عمقاً وصدقاً.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك