بقلم:ياسر أروين/صحفي ومحلل سياسي(إسبانيا)
لم تعد التطورات المرتبطة بملف الصحراء المغربية داخل مجلس الأمن مجرد خلاف حول صياغة قرار أممي أو تحديد مدة ولاية بعثة المينورسو، بل باتت تعكس صراعا أعمق بشأن مستقبل الإطار الدولي، الذي ظل يؤطر هذا النزاع لعقود، وحدود قدرة الأطراف المعنية على فرض تصوراتها في مرحلة تتزايد فيها الضغوط من أجل الانتقال إلى تسوية سياسية واقعية.
وقد أظهر تعثر المشروع الأمريكي، عقب استخدام روسيا حق النقض، حجم التباعد بين القوى الكبرى بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، خصوصا أن المبادرة الأمريكية كانت تستهدف البناء على التحول الذي كرسه القرار رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025.
غير أن إسقاط المشروع لا يعني، في حد ذاته، إلغاء القرار السابق أو تعطيل مقتضياته، بل يقتضي التمييز بين استمرار المرجعية الأممية القائمة وبين مصير الآلية الميدانية المرتبطة بولاية المينورسو.
وتكشف هذه المفارقة عن معضلة مؤسساتية واضحة، فمجلس الأمن لم يتمكن من تمرير الصيغة التي دعمتها واشنطن، كما لم ينجح المقترح الروسي البديل في الحصول على التأييد اللازم لتمديد ولاية البعثة لسنة إضافية.
وهكذا، وجد المجلس نفسه أمام انسداد في مسار اتخاذ القرار، بما يفتح الباب أمام مفاوضات شاقة بحثا عن صيغة توافقية تحول دون حدوث فراغ في تدبير الوجود الأممي بالأقاليم الجنوبية.
وتكمن "أهمية" الموقف الروسي في أنه أعاد إلى الواجهة تصورا يستند إلى الإبقاء على خيار الاستفتاء وعدم تغيير طبيعة مهمة البعثة، في مقابل توجه أمريكي يدفع نحو تجاوز الصيغ التي تعتبرها واشنطن غير قابلة للتنفيذ، والتركيز على البحث عن تسوية سياسية في إطار الحكم الذاتي.
ولا يتعلق الأمر هنا، باختلاف تقني حول مهمة بعثة أممية فحسب، وإنما بصراع حول المرجعية التي ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة من المفاوضات.
وفي هذا السياق، لا يمكن التعامل مع رفض المشروعين باعتباره نهاية محسومة للمينورسو، لأن إنهاء ولاية البعثة أو تعديل مهامها يظل مرتبطا بما يتخذه مجلس الأمن من قرارات وما قد تفضي إليه المشاورات بين أعضائه.
كما أن عدم اعتماد مشروع جديد، لا يكفي وحده للجزم بانتهاء جميع أشكال الحضور الأممي في الصحراء، أو بالنتائج القانونية والسياسية التي قد تترتب عن ذلك.
ومع ذلك، فإن تعثر التمديد يضع مستقبل البعثة أمام اختبار حقيقي، ويجبر القوى الدولية على إعادة تقييم جدوى استمرارها بالصيغة الحالية.
وقد يفضي التفاوض إلى تمديد جديد بشروط معدلة، أو إعادة تعريف مهامها بما ينسجم مع التحولات السياسية التي يعرفها الملف، أو استمرار الخلاف بما يفاقم حالة الغموض بشأن مستقبلها. وتبقى هذه الاحتمالات رهينة بالمواقف التي ستتبلور داخل المجلس، لا بمجرد القراءة السياسية لنتائج التصويت، لكن كل هذا ذهب أدراج الرياح، مع المقترح الملكي المغربي القاضي بإنهاء مهام "المينورسو" عمليا، وإخراج الملف من أروقة الأمم المتحدة.
فمن الزاوية المغربية، يمكن اعتبار حصول المشروع الأمريكي على تأييد أحد عشر عضوا في مجلس الأمن مؤشرا سياسيا مهما على اتساع دائرة الدول المستعدة لدعم المقاربة التي تتبناها واشنطن في معالجة النزاع، خصوصا في ما يتصل بتعزيز موقع مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. كما أن اقتصار المعارضة على روسيا، عبر استخدام حق النقض، يكشف عن صعوبة تحويل الاعتراض الروسي إلى أغلبية قادرة على فرض تصور بديل داخل المجلس.
غير أن القيمة السياسية لهذا التصويت لا ينبغي أن تختزل في عدد الأصوات وحده، بل في طبيعة الرسائل التي حملها بشأن اتجاه النقاش الدولي.
فالمواقف التي عبرت عنها الولايات المتحدة وعدد من الدول المؤيدة للمقترح الأمريكي تعكس ميلا إلى تجاوز المقاربات التي ظلت حبيسة خلافات إجرائية ممتدة، والبحث عن أرضية سياسية أكثر قابلية للتفاوض.
ويكتسي التأكيد على الحكم الذاتي في هذا السياق أهمية خاصة بالنسبة إلى الدبلوماسية المغربية، التي جعلت من توسيع دائرة الدعم الدولي لهذه المبادرة إحدى ركائز تحركها الخارجي.
في المقابل، فإن إخفاق المشروع الروسي في حشد التأييد الكافي يحد من قدرته على تقديم نفسه باعتباره أساسا توافقيا بديلا داخل مجلس الأمن، لكنه لا يعني بالضرورة انتهاء قدرة موسكو على التأثير في المفاوضات. فروسيا تظل عضوا دائما في المجلس، وتمتلك أدوات مؤسساتية تسمح لها بالمشاركة في صياغة أي تسوية مقبلة، وهو ما يجعل من المبكر اعتبار موقفها قد فقد جميع أوراقه التفاوضية.
وتبرز هنا مفارقة دبلوماسية أخرى، فالدول التي تتباين مواقفها بشأن مستقبل المينورسو قد تجد نفسها مضطرة إلى التفاوض على صيغة مشتركة لتفادي استمرار الانسداد.
وقد يدفع ذلك الأطراف إلى البحث عن تسوية وسط، سواء من خلال تمديد مشروط للبعثة أو عبر مراجعة مهامها، بما يتيح المحافظة على الحد الأدنى من التوافق داخل المجلس، دون إعادة فتح جميع الخلافات التي رافقت الملف خلال السنوات الماضية.
أما الجزائر، التي حضرت أشغال المجلس ودافعت عن موقفها من النزاع، فتواجه بدورها تحديا سياسيا يتمثل في كيفية التعامل مع التحولات التي يعرفها النقاش الأممي، خصوصا إذا استمر الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي في الاتساع.
غير أن تقييم أثر مداخلتها أو تحديد حجم انعكاساتها على علاقاتها بأعضاء المجلس يظل مرتبطا بمضمون المواقف الرسمية للدول، ولا يمكن حسمه بالاستناد إلى الانطباعات عن أداء الوفود أو تعابير ممثليها خلال الجلسات.
وفي الاتجاه نفسه، يظل الموقف الفرنسي عنصرا يستحق القراءة في ضوء ما تعلنه باريس من دعم للمقترح الأمريكي ومبادرة الحكم الذاتي، مع ضرورة التمييز بين التصويت على مشروع بعينه وبين الموقف السياسي العام للدولة من النزاع.
فالتصويت والامتناع والاعتراض أدوات مؤسساتية قد تعكس اعتبارات متعددة، ولا تكفي وحدها لتفسير مجمل الحسابات الدبلوماسية لأي عضو داخل مجلس الأمن.
وإذا كان تعثر المشروع الأمريكي قد حرم واشنطن من تمرير الصيغة التي أرادت اعتمادها، فإن ذلك لا يلغي المكاسب السياسية التي قد تكون تحققت للموقف المغربي من خلال حجم التأييد الذي حظي به المشروع، ولا يثبت في المقابل أن الطريق أصبح مفتوحا أمام إنهاء مهمة المينورسو بصورة تلقائية. فالمعركة الحقيقية تتجاوز جلسة تصويت واحدة، وترتبط بقدرة الأطراف على تحويل موازين الدعم السياسي إلى ترتيبات مؤسساتية واضحة.
وتتوقف أهمية المرحلة المقبلة على طبيعة القرار الذي قد يتوافق عليه أعضاء المجلس، ومدى انعكاسه على ولاية البعثة ومهامها، وعلى الإطار السياسي الذي ستستمر ضمنه المفاوضات.
فإذا اتجهت التسوية نحو مراجعة دور المينورسو، فقد يشكل ذلك بداية مرحلة مختلفة في تدبير النزاع، أما إذا استمر الخلاف، فإن الملف سيظل عرضة لمزيد من التجاذبات بين القوى الكبرى، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على الاستقرار الميداني وعلى فرص التوصل إلى حل سياسي.
وفي المحصلة، تمنح نتائج المواجهة الدبلوماسية الأخيرة المغرب عناصر سياسية يمكن البناء عليها في الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي وتوسيع دائرة مؤيديها، لكنها لا تعفي الدبلوماسية المغربية من مواصلة التحرك بحذر وفعالية داخل المؤسسات الدولية.
فالمكاسب في مثل هذه الملفات لا تقاس فقط بما يسقط من مشاريع قرارات، وإنما بما يتحول إلى مرجعيات معتمدة وتفاهمات قابلة للاستمرار.
لقد دخل ملف الصحراء المغربية مرحلة تتداخل فيها رهانات السيادة مع حسابات القوى الكبرى ومستقبل الآليات الأممية، وأصبح التحدي المطروح هو ترجمة التحولات في مواقف الدول إلى مسار سياسي أكثر وضوحا واستقرارا.
وبين تعثر المبادرات وتضارب التصورات، ستظل الكلمة الحاسمة لما يقرره مجلس الأمن وما تنتهي إليه المفاوضات، لا لما قد توحي به قراءات متسرعة لنتائج جلسة واحدة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك