من مجانية التعليم إلى تسليعه و فرض رسوم الماستر والدكتوراه على الموظفين والأجراء

من مجانية التعليم إلى تسليعه و فرض رسوم الماستر والدكتوراه على الموظفين والأجراء
مقالات رأي / الجمعة 23 أكتوبر 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم : سعيد كعاص / أستاذ

في سابقة خطيرة تهدد أحد أهم المكتسبات الدستورية، أقدمت عدد من الجامعات المغربية العمومية خلال الموسمين الأخيرين، عبر قرارات لمجالس جامعاتها، على فرض رسوم دراسية تتراوح بين 15 ألف و 30 ألف درهم سنويا، على فئة الموظفين والأجراء الراغبين في متابعة دراستهم بسلكي الماستر والدكتوراه، تحت ذريعة "التكوين في التوقيت الميسر".

إن هذا القرار، الذي يمر في صمت إداري مقلق، ليس مجرد إجراء تدبيري داخلي، بل هو تحول بنيوي في فلسفة الجامعة العمومية المغربية، يستدعي وقفة أكاديمية وقانونية.

أولا: قرار فاقد للشرعية القانونية

من حيث المبدأ القانوني، إن الرسوم الجامعية ذات طابع جبائي، والقاعدة الدستورية المستقرة تقول: "لا ضريبة ولا رسم إلا بقانون".

إن دستور المملكة لسنة 2011، في الفصل 31 منه، ينص بوضوح على أن الدولة تضمن الحق في التعليم والتكوين، وتعمل على تيسير ولوج المواطنين إليه على أساس الاستحقاق وتكافؤ الفرص. كما ينص القانون الإطار 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، في المادة 46، على مبدأ مجانية التعليم العمومي.

فهل يعقل أن يلغي مجلس جامعة، وهو هيئة إدارية تقريرية، قانونا صادرا عن البرلمان ودستورا صوت عليه الشعب؟ إن ما يحدث هو تجاوز صارخ لمبدأ تدرج القوانين، حيث يتم تأسيس رسوم بآلاف الدراهم بقرار داخلي، دون أي مرسوم تطبيقي من رئيس الحكومة، ودون أي مصادقة تشريعية.

ثانيا: تمييز غير دستوري وضرب لمبدأ تكافؤ الفرص

إن خطورة القرار لا تكمن فقط في الجانب المالي، بل في بعده التمييزي. فالجامعة العمومية تقوم اليوم بالتمييز بين مواطنين متساوين أمام القانون على أساس وضعيتهم المهنية. فطالب عاطل يلج الماستر مجانا، وموظف يؤدي نفس الخدمة البيداغوجية، في نفس المدرج، وعلى يد نفس الأستاذ، يؤدي 20 ألف درهم.

هذا تمييز يضرب في العمق الفصل 6 من الدستور الذي يقر المساواة، والفصل 154 الذي يلزم المرافق العمومية باحترام مبادئ المساواة والإنصاف والاستمرارية.

والأخطر من ذلك، أنه يضرب مبدأ الاستحقاق. فالجامعة لم تعد تسأل: هل أنت كفء لولوج الماستر؟ بل أصبحت تسأل: هل أنت قادر على دفع ثمن الماستر؟ وهنا ننتقل من جامعة الاستحقاق إلى جامعة المقاولة.

ثالثا: وهم التوقيت الميسر وبداية تسليع الشهادة.

تدفع الجامعات بمبرر أن الموظفين يدرسون في "التوقيت الميسر" (مساء وعطلة نهاية الأسبوع)، وأن هذا يتطلب تعويضات إضافية للأساتذة. وهذا المبرر واهٍ لسببين:

بيداغوجيا: التوقيت الميسر ليس امتيازا يمنح للموظف، بل هو ضرورة فرضتها عليه ظروف العمل، وكثير من التكوينات تدرس أصلا في نفس التوقيت لجميع الطلبة.

أخلاقيا وأكاديميا: عندما نربط مبلغ 20 ألف درهم بالشهادة، فنحن نؤسس لخطاب خطير مفاده أن الشهادة تباع. وهو ما عبر عنه عدد من الأساتذة الجامعيين بعبارة "تسليع الشهادة". حينها ستفقد الدكتوراه والماستر قيمتهما العلمية، ويصبح الشك مشروعا: هل هذه شهادة حصّلها صاحبها بكفاءته، أم بماله؟

إن تجربة دول قريبة علمتنا أن تسليع التعليم العالي العمومي هو بداية انهيار الطبقة الوسطى، التي كانت دائما ترى في التعليم العالي العمومي المصعد الاجتماعي الوحيد للارتقاء.

إن الجامعة العمومية ليست مقاولة تبحث عن الربح، وليست ملزمة بتمويل عجزها من جيوب الموظفين البسطاء الذين تآكلت قدرتهم الشرائية. عجز الجامعة مسؤولية الدولة، وحله يكون عبر قانون مالية يرفع من ميزانية البحث العلمي، لا عبر فرض الأمر الواقع على الموظف.

لذلك، فإن المطلب اليوم ليس نقابيا فئويا، بل هو مطلب مجتمعي للدفاع عن دستورية الجامعة العمومية.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك