أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا
إن عودة أمراض
خطيرة يمكن الوقاية منها بالتلقيح إلى الواجهة، وعلى رأسها الدفتيريا، تطرح أسئلة
جدية حول جاهزية المنظومة الصحية المغربية وقدرتها على حماية المواطنين من المخاطر
الوبائية، فظهور حالات مقلقة وما رافقها من تقارير عن وفيات أطفال يجعل التدخل
الاستباقي ضرورة ملحة، ويضع الحكومة أمام مسؤولية تعزيز الوقاية وضمان وصول
اللقاحات والعلاجات إلى جميع الفئات.
إن مواجهة هذه
المخاطر لا ينبغي أن تقتصر على التدخل بعد ظهور الإصابات، بل تستدعي سياسة صحية
واضحة تقوم على المراقبة المستمرة، والتلقيح الاستدراكي، والتواصل الشفاف مع
المواطنين، مع ضمان سرعة التحرك عند الاشتباه في أي بؤرة وبائية، لأن التأخر في
الوقاية قد يضاعف الأضرار ويزيد الضغط على المؤسسات الصحية.
وفي هذا
السياق، أصبح من الضروري فتح نقاش جدي حول إنشاء مختبرات وطنية متخصصة في تصنيع
اللقاحات، باعتبارها مشروعا استراتيجيا يمكن أن يعزز الأمن الصحي للمغرب ويقلل من
الارتهان للأسواق الخارجية عند حدوث اضطرابات في سلاسل التوريد، غير أن هذا
المشروع يحتاج إلى رؤية بعيدة المدى واستثمارات مستدامة وشراكات علمية وصناعية
تضمن الجودة والسلامة والفعالية.
ولا يتعلق
الأمر بمجرد بناء مختبرات وتجهيزها، بل بتطوير منظومة متكاملة تشمل البحث العلمي،
وتكوين الكفاءات، ونقل التكنولوجيا، والرقابة الصارمة على المنتجات الطبية، إلى
جانب تحديد الأولويات الوطنية في مجال تصنيع اللقاحات، حتى تتحول هذه الخطوة إلى
قدرة إنتاجية حقيقية تدعم استقلالية القرار الصحي وتخدم حاجات المواطنين.
وبالموازاة مع
هذا التوجه الاستراتيجي، لا يمكن تجاهل الأوضاع التي تعاني منها المستشفيات
العمومية، حيث يواجه عدد من المرافق الصحية ضغطا متزايدا وحاجات متراكمة إلى
الموارد البشرية والتجهيزات وتحسين ظروف الاستقبال والتكفل بالمرضى، وهي اختلالات
تجعل الإصلاح العاجل ضرورة لا تقل أهمية عن الاستثمار في الصناعات الدوائية
واللقاحات.
ومن هنا، فإن
الحكومة مطالبة بخطة استعجالية لدعم المستشفيات والمراكز الصحية، وتحسين توزيع
الأطر الطبية والتمريضية، وتوفير المعدات والأدوية الأساسية، وتقوية المختبرات
المكلفة بالتشخيص، مع إعطاء الأولوية للمناطق التي تعاني من ضعف العرض الصحي، لأن
فعالية أي سياسة للوقاية تظل مرتبطة بقدرة المؤسسات على الكشف المبكر عن الحالات
والتعامل معها بسرعة وكفاءة.
كما أن حماية
المواطنين تتطلب ضمان استمرارية برامج التلقيح وتوفير معلومات دقيقة حول المخزون
والتوزيع، وتسهيل حصول الأسر على الجرعات الموصى بها، مع تعزيز حملات التوعية
ومراجعة دفاتر تلقيح الأطفال عند الحاجة، بعيدا عن التهويل أو نشر معلومات غير
مؤكدة، فالثقة بين المواطن والمؤسسات الصحية عنصر أساسي في نجاح أي استجابة وبائية.
إن المسؤولية
الحكومية تقتضي أيضا ربط الإنفاق الصحي بأهداف قابلة للقياس، ووضع آجال واضحة
لتحسين الخدمات وتطوير القدرات الوطنية في مجال تصنيع الأدوية واللقاحات، مع إخضاع
المشاريع للتقييم والمحاسبة، حتى لا تبقى الوعود رهينة الخطابات، بل تتحول إلى نتائج
ملموسة يشعر بها المواطن داخل المستشفى والمركز الصحي وفي حياته اليومية.
إن الأمن
الصحي ليس ترفا ولا ملفا قطاعيا محدودا، بل ركيزة من ركائز الاستقرار الاجتماعي
والتنمية، ولذلك فإن المرحلة تستدعي الجمع بين تدبير عاجل للمخاطر الحالية ورؤية
استراتيجية لبناء منظومة صحية أكثر قدرة على الصمود، فحماية أرواح المواطنين تبدأ
بالوقاية والتلقيح، لكنها لا تكتمل إلا بمستشفيات عمومية قوية وبحث علمي متطور
وقدرة وطنية تضمن توافر اللقاحات والعلاجات عند الحاجة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك