بقلم:العلمي الحروني/منسق تيار اليسار الجديد المتجدد
سؤال يبدو غربيا لكنه يعنينا مباشرة، "هل هناك حياة اجتماعية بعد الدين؟" سؤال طرحه المؤرخ إيمانويل تود وهو يراجع نصف قرن من البحث في تحلل الأديان الكبرى في الغرب. لكن جوابه، إذا تأملناه جيدا، ليس سؤالا غربيا محضا، إذ هو اختبار حقيقي لأي مشروع سياسي يطمح إلى بناء مجتمع متماسك: هل يمكن لجماعة بشرية أن تعيش وتتوحد وتناضل من أجل مستقبل مشترك، حين تنسحب من حياتها البنية الجماعية التي كان الدين يوفرها تاريخيا؟ جواب تود، المبني على عقود من دراسة المجتمعات الأوروبية والأمريكية، قاس وواضح: لا. إذ حين يختفي الدين دون أن يحل محله إطار جماعي حقيقي، لا نصل إلى فرد عقلاني متحرر، بل نسقط في "المرحلة الصفرية" كما ينعتها تود حيث أفراد معزولون، مجتمع مذرر، وفراغ يتحول غالبا إلى عنف وعدمية.
هذا التشخيص يضع اليسار المغربي أمام مسؤولية مضاعفة. فنحن لسنا في وضعية "ما بعد الدين" الأوروبية، لكننا لسنا أيضا في مأمن من إغراء استيراد الوصفة العلمانية الغربية جاهزة دون توطين، بافتراض أن إبعاد الدين عن الحياة العامة سيؤدي تلقائيا إلى مجتمع أكثر عدلا وعقلانية. تجربة الغرب نفسها، كما يرويها تود، تكذب هذا الافتراض: الانسحاب من الدين دون بديل جماعي حقيقي لم ينتج تحررا، بل أنتج فراغا وجوديا واجتماعيا تملأه اليوم أشكال بديلة من التعصب والانغلاق والعدمية.
الخطأ الذي وقع فيه جزء من اليسار في المجتمعات الاسلامية، ومنها المغرب، هو تبني علمانية شكلية مستوردة، تختزل في معاداة المظاهر الدينية دون أن تقترح بديلا جماعيا فعليا يملأ الفراغ الذي يخلفه انحسار الدين. هذا النوع من العلمانية لا يبني مجتمعا، بل يفكك رابطة قائمة دون أن يعوضها، فيترك المجال مفتوحا أمام قوى أخرى -سياسية أو دينية متطرفة - لملء الفراغ باسم "استعادة المعنى المفقود". هنا بالذات يكمن الدرس الأهم من تحليل تود: المشكلة ليست الدين في ذاته، بل في غياب أي إطار جماعي بديل قادر على منح الأفراد معنى مشتركا وشعورا بالانتماء إلى مشروع يتجاوزهم.
جواب أرضية اليسار الجديد المتجدد:لا قطيعة ولا مصادرة
هنا تحديدا تقدم أرضية اليسار الجديد المتجدد، في محورها الثامن حول الدين والعلمانية، جوابا مختلفا جذريا عن كل من العلمانية الإقصائية واليسار الإسلاموي المتماهي. الأرضية تميز بوضوح بين الدين كإيديولوجيا استلابية توظف لتبرير الخضوع والاستبداد، وبين الدين كـ"يوتوبيا" قادرة على تعبئة القوى الشعبية في مواجهة الظلم الاجتماعي. هذا التمييز هو بالضبط ما يسمح لليسار المغربي بالإجابة على سؤال تود بطريقة لا تكرر الخطأ الأوروبي: نعم هناك حياة اجتماعية بعد -أو بجانب-الدين، لكن بشرط ألا تبنى هذه الحياة على إفراغ المجتمع من كل رابطة جماعية، بل على إعادة توجيه الطاقة الجماعية التي يحملها التدين الشعبي نحو مشروع سياسي تحرري.
نستحضر بالمناسبة مقولة "الدين أفيون الشعوب"، يرى ماركس أن البؤس الديني هو في آن واحد تعبير عن البؤس الواقعي واحتجاج عليه. أي أن المعاناة الواقعية يعبر عنها دينيا. وهذا التعبير الديني لا يستعمل مقولات الطبقة بوضوح، فهو لا يتحدث عن برجوازية رأسمالية وطبقة عاملة، بل عن الفقراء والأغنياء، ويكون الانحياز فيه دائما للفقراء. فاللغة دينية والأفكار دينية، لكن الغاية اجتماعية وسياسية.
ومن هنا تنشأ في التحليل الماركسي مهمة العمل على الانتقال من "الفكرة الواقعية" التي كانت للدين وإيجاد قيمة عملية/استعمالية له في الخطاب الديني. الانتقال من المضمون الواقعي الكامن في الدين إلى استثماره عمليا في الخطاب الديني، أي إبراز قيمته الاستعمالية واستعمالها في خدمة الهدف الاجتماعي.
فالمواطن المغربي المسلم الذي ينتظر من دينه معنى للعدل ورفضا للظلم واستنكارا لعبودية المال، لا يطلب فراغا بديلا، بل يطلب أن تلتقي قناعاته الأخلاقية العميقة بمشروع سياسي يترجمها إلى واقع ملموس، فهو يبحث عن قوة سياسية -اجتماعية للإنقاذ من العبودية والظلم. هذا بالضبط ما يوفره -أو يجب أن يوفره - اليسار الجديد المتجدد حين يطرح، في محاوره الثاني والثالث، مشروعا سياسيا وبرنامجيا واضحا: الملكية البرلمانية، محاربة الفساد كحليف بنيوي للاستبداد، اقتصاد وطني شعبي، عدالة اجتماعية وتوزيع عادل للثروة. هذه ليست مطالب "علمانية معزولة عن الوجدان الشعبي"، وإنما هي بالضبط الترجمة السياسية لقيم يحملها المواطن المتدين نفسه.
فصل السلطتين لا فصل المجتمع عن معناه
حين تدافع الأرضية عن فصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية، فإنها لا تدعو إلى تفكيك الرابطة الجماعية التي يوفرها الدين للمجتمع، بل بالعكس: تحمي هذه الرابطة من الابتذال والاستغلال السياسي الذي يمارسه من يحول الدين - كما تشخص الأرضية بدقة - من ينبوع أخلاقي إلى إيديولوجيا شمولية ومشروع سياسي مغلق يحتكر المجال العام باسم القداسة. هذا الفصل هو بالضبط الشرط الذي يسمح بالجمع بين ما يحذّر منه تود -فراغ ما بعد الديني - وبين ما يخشاه اليسار من مصادرة الدين لصالح الاستبداد: دولة لا تستمد شرعيتها من احتكار الديني، ومجتمع لا يفرغ من رابطته الجماعية والأخلاقية.
الجواب المغربي:تجديد الرابطة الجماعية لا إلغاؤها
إذا كان تود يرى أن الغرب البروتستانتي دفع ثمن انسحابه من الدين دون بديل جماعي حقيقي - بينما نجت مجتمعات كاثوليكية أو مسلمة نسبيا بفضل بقاء إحساسها بجمال العالم أو تماسكها الجماعي، كما يلاحظ بخصوص إيران وتماسكها الوطني رغم كل محاولات زعزعته - فإن الدرس السياسي لليسار المغربي واضح: لا ينبغي أن يكون هدفنا إفراغ المجتمع المغربي من رابطته الجماعية والدينية على الطريقة الأوروبية، بل تجديد هذه الرابطة وتحريرها من احتكار من يستغلونها لتبرير الفساد والاستبداد، وربطها بمشروع سياسي تحرري واضح المعالم.
بهذا المعنى، فالإجابة اليسارية على سؤال "هل هناك حياة اجتماعية بعد الدين؟" ليست "نعم" الببغائية التي تكرر الوصفة الغربية، وليست "لا" الرجعية التي تسلم المجال كاملا للإسلام السياسي. الإجابة هي: هناك حياة اجتماعية أرقى وأعدل حين يلتقي المعنى الذي يستمده الناس من إيمانهم بمشروع سياسي يترجم هذا المعنى إلى عدالة اجتماعية ملموسة. هذا هو بالضبط الرهان الذي تطرحه أرضية اليسار الجديد المتجدد، وهو رهان يستحق أن يُخاض بجرأة فكرية بعيدا عن كل من الدفاع الأعمى والقطيعة العدمية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك