ياسر اروين يكتب:اليسار المغربي والعدالة والتنمية..لا تحالف بلا ذاكرة

ياسر اروين يكتب:اليسار المغربي والعدالة والتنمية..لا تحالف بلا ذاكرة
مقالات رأي / الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم:ياسر اروين

ليس كل من يقف في المعارضة حليفاً، وليس كل من يرفع شعار محاربة الفساد شريكاً في بناء المشروع الديمقراطي. فبين تحالف اليسار وحزب العدالة والتنمية مسافة سياسية وفكرية لا يمكن اختزالها في حسابات المقاعد أو في وحدة الموقع داخل المعارضة، لأن الخلاف بينهما لا يتعلق فقط بكيفية تدبير الحكومة، بل بطبيعة الدولة التي نريد، والاقتصاد الذي ندافع عنه، والمجتمع الذي نسعى إلى بنائه، والحقوق التي نعتبرها غير قابلة للمساومة.

ولعل أول ما ينبغي قوله في هذا النقاش هو أن الذاكرة السياسية ليست ترفاً، وأن الانتقال من الحكومة إلى المعارضة لا يمحو سجل القرارات، كما أن تغيير المواقع لا يمنح الأحزاب حق إعادة كتابة تاريخها وفق مقتضيات اللحظة. لذلك، فإن أي حديث عن التقارب بين اليسار والعدالة والتنمية يقتضي استحضار ما جمعهما وما فرّق بينهما، بعيداً عن المجاملات السياسية وعن محاولات تحويل الاختلافات الجوهرية إلى مجرد تفاصيل قابلة للتجاوز.

لقد حكم حزب العدالة والتنمية المغرب لعقد كامل، من خلال قيادته للحكومتين المتعاقبتين بين عامي 2011 و2021، لكنه لم يقدم القطيعة الاجتماعية التي انتظرتها فئات واسعة من المغاربة، بل دافع خلال تجربته الحكومية عن اختيارات اقتصادية واجتماعية وُوجهت بانتقادات بسبب انعكاساتها على القدرة الشرائية وعلى دور الدولة في حماية المواطنين.

فمن إصلاح التقاعد الذي حمّل الأجراء كلفة أساسية من خلال رفع سن التقاعد وزيادة الاقتطاعات وتغيير طريقة احتساب المعاشات، إلى تحرير أسعار المحروقات في سياق أثار أسئلة بشأن المنافسة وحماية المستهلك، مروراً بتوسيع التوظيف بالتعاقد في قطاع التعليم وتقليص بعض أشكال الدعم، راكمت التجربة الحكومية للحزب قرارات لا يمكن فصلها عن النقاش حول حدود العدالة الاجتماعية ومسؤولية الدولة في مواجهة التفاوتات.

ولم تكن هذه الاختيارات مجرد أخطاء تقنية معزولة، بل عكست توجهاً في تدبير الاقتصاد يرى منتقدوه أنه استمر داخل النموذج النيوليبرالي، بدل أن يؤسس لبديل يعيد توزيع الثروة ويقوي الخدمات العمومية. وحين انتهت الولاية الحكومية الأخيرة للحزب سنة 2021، كان معدل البطالة قد بلغ 12.3 في المائة، وفق المعطيات الرسمية الخاصة بتلك السنة، وهو مؤشر لا يكفي وحده للحكم على حصيلة حكومة، لكنه يضع وعود التشغيل والسياسات الاقتصادية أمام ضرورة المحاسبة.

أما الصحة والتعليم، فقد ظلا عنوانين بارزين لأزمة الثقة في قدرة الدولة على ضمان خدمات عمومية جيدة ومتاحة للجميع. وهنا يبرز السؤال الذي لا يستطيع أي خطاب معارض أن يتجاوزه: كيف يمكن لحزب أن يطالب اليوم بتحسين أوضاع المواطنين من دون أن يواجه إرث سنوات تدبيره للقطاعات الاجتماعية؟ وكيف يمكن اختزال تقييم التجربة في نزاهة بعض مسؤوليها، فيما المطلوب هو مساءلة السياسات التي اتُّخذت والنتائج التي ترتبت عنها؟

إن الفرق بين اليسار والعدالة والتنمية يبدأ من هذه النقطة تحديداً؛ فاليسار الذي يجعل العدالة الاجتماعية في صلب مشروعه لا ينظر إلى الصحة والتعليم باعتبارهما مجالين يمكن أن يتراجعا كلما ضاقت ميزانية الدولة، بل باعتبارهما حقين أساسيين لا ينبغي أن تتوقف جودتهما على القدرة الشرائية للمواطن. أما الدفاع عن الدولة الاجتماعية، فلا يستقيم بالشعارات وحدها، وإنما يقتضي خيارات مالية واقتصادية تعيد الاعتبار للإنفاق العمومي وللخدمات الأساسية ولحقوق الأجراء والفئات الهشة.

ولا يتوقف الخلاف عند الاقتصاد، لأن جوهر السياسة لا ينحصر في توزيع الموارد، بل يمتد إلى توزيع السلطة نفسها. فالعدالة والتنمية مارس الحكم داخل البنية الدستورية القائمة، وظل مشروعه الإصلاحي يتحرك في إطارها، بينما يضع تحالف اليسار الملكية البرلمانية ضمن مطالبه الديمقراطية، بما تعنيه من إعادة تحديد العلاقة بين المؤسسة الملكية والحكومة والبرلمان، وتعزيز المسؤولية السياسية للأغلبية المنبثقة عن الانتخابات.

وهذا اختلاف لا يمكن التعامل معه باعتباره ترفاً نظرياً أو خلافاً لغوياً حول المصطلحات، لأن السؤال الحقيقي يتعلق بمن يقرر، ومن يحاسب، ومن يتحمل المسؤولية أمام المواطنين. فالديمقراطية لا تُختزل في تنظيم الانتخابات أو المشاركة في المؤسسات، بل تشمل أيضاً طبيعة السلطة التنفيذية وحدودها، ومدى خضوع القرار السياسي للمساءلة، وقدرة المؤسسات المنتخبة على ممارسة اختصاصاتها.

ويزداد التباعد وضوحاً حين ننتقل إلى قضايا الحريات الفردية والمساواة بين النساء والرجال وحرية الضمير، حيث يصطدم التصور اليساري، بمكوناته المختلفة، بالمرجعية المحافظة التي تؤطر عدداً من مواقف العدالة والتنمية. ولا يعني ذلك أن مكونات اليسار متطابقة في كل القضايا، أو أن الممارسة اليسارية خالية من التناقضات، لكنه يعني أن المشروعين ينطلقان من تصورات مختلفة للعلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة، وللحدود التي ينبغي أن تقف عندها السلطة في حياة المواطنين.

ثم تأتي لحظات الاختبار السياسي الكبرى لتكشف ما إذا كانت المبادئ المعلنة قادرة على الصمود أمام إغراءات السلطة وضغوطها. ويظل موقف الأغلبية الحكومية التي قادها العدالة والتنمية من حراك الريف، وما رافقه من خطاب رسمي أثار جدلاً واسعاً بسبب اتهام الحراك بنزعات انفصالية، محطة تستحق النقاش والمساءلة، خصوصاً في ما يتعلق بواجب التمييز بين الاحتجاج الاجتماعي السلمي وبين الاتهامات السياسية الخطيرة التي تحتاج إلى أدلة واضحة.

كما يظل توقيع سعد الدين العثماني، بصفته رئيساً للحكومة، الإعلان الثلاثي المرتبط باستئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية في دجنبر 2020، نقطة خلاف سياسية وأخلاقية بالنسبة إلى القوى المناهضة للتطبيع. وقد شكّل هذا القرار اختباراً قاسياً لخطاب الحزب ومواقفه السابقة، بالنظر إلى التناقض الذي رآه منتقدوه بين مرجعيته المعلنة ومشاركته في تنفيذ قرار استراتيجي أثار رفض قطاعات واسعة من الرأي العام.

ولا يتعلق استحضار هذه المحطات بالرغبة في تصفية الحسابات مع حزب سياسي، بل بالتأكيد على أن المبادئ لا تُختبر عندما يكون الدفاع عنها بلا تكلفة، وإنما عندما يصبح الالتزام بها مكلفاً سياسياً. فالمواقف التي تتبناها الأحزاب في المعارضة ينبغي أن تخضع للمعيار نفسه الذي تُقاس به قراراتها حين تصل إلى الحكومة، وإلا تحول الخطاب السياسي إلى مجرد وسيلة لتبرير التناقض بين ما يقال وما يُفعل.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ أن يتحول هذا الاختلاف إلى دعوة للعداء المطلق أو إلى رفض آلي لكل تقاطع مع العدالة والتنمية. فمحاربة الفساد، وحماية المال العام، والدفاع عن الشفافية، ومراقبة الحكومة، ومواجهة تضارب المصالح، قضايا يمكن أن تجمع قوى سياسية متباينة، شريطة أن يكون التعاون بشأنها واضح الأهداف ومحدداً في مضمونه، وألا يتحول إلى غطاء لطمس الاختلافات أو لتسويق تحالف استراتيجي غير موجود في الواقع.

ومن الإنصاف أيضاً الإقرار بأن عدداً من مناضلي العدالة والتنمية ومنتخبيه عُرفوا بالنزاهة الشخصية ونظافة اليد، وهي خصال لا ينبغي إنكارها بسبب الاختلاف الإيديولوجي. لكن النزاهة الفردية، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها لبناء مشروع ديمقراطي تقدمي؛ فالحياة السياسية لا تقوم فقط على أخلاق الأشخاص، بل كذلك على طبيعة السياسات والبرامج والمواقف من الحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية.

وهنا تحديداً ينبغي لليسار أن يتجنب خطأين متناقضين: أولهما تحويل العدالة والتنمية إلى خصم لا يجوز الالتقاء معه في أي قضية، وثانيهما التعامل معه باعتباره حليفاً لمجرد وجوده في المعارضة. فالخطأ الأول يعزل اليسار عن معارك سياسية واجتماعية مشتركة، بينما يؤدي الثاني إلى تمييع هويته الفكرية والتاريخية، ويجعل الاختلافات التي راكمتها التجارب السياسية مجرد أوراق قابلة للتنازل عند أول اختبار انتخابي أو حساب ظرفي.

إن المطلوب ليس بناء جدار يمنع كل تنسيق، ولا مد جسر يلغي الفوارق، بل إرساء علاقة سياسية واضحة المعالم: تعاون حيث توجد مصالح عامة مشتركة، واختلاف صريح حيث تتعارض المشاريع والمرجعيات، ومحاسبة دائمة لكل حزب على مواقفه وقراراته، سواء كان في الحكومة أو في المعارضة.

فاليسار لا يحتاج إلى التخلي عن استقلاليته كي يحارب الفساد، ولا يحتاج إلى تبني المرجعية المحافظة كي يدافع عن المال العام، كما أن الاعتراف بنزاهة بعض منتسبي العدالة والتنمية لا يلزم اليسار بتبرير حصيلته الحكومية أو التراجع عن مطالبه المتعلقة بالدولة الاجتماعية والملكية البرلمانية والحريات الفردية ومناهضة التطبيع.

وفي النهاية، لا تُقاس قوة المشروع اليساري بقدرته على جمع أكبر عدد من الحلفاء حوله، بل بقدرته على الحفاظ على وضوح هويته وهو يخوض المعارك المشتركة. فالتنسيق السياسي ليس اندماجاً فكرياً، ووحدة المعارضة ليست وحدة البدائل، ومحاربة الفساد ليست برنامجاً سياسياً كاملاً.

لهذا، فإن اليسار والعدالة والتنمية قد يلتقيان في معركة، لكنهما لا يصبحان بذلك أصحاب مشروع واحد. فالذاكرة السياسية ليست عائقاً أمام التعاون، بل شرط أساسي حتى لا يتحول التعاون إلى تنازل عن المبادئ، وحتى لا تصبح المعارضة مجرد جغرافيا مشتركة تخفي وراءها اختلافاً عميقاً في الرؤية والممارسة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك