واشنطن والصحراء المغربية.. هل تغيّر الموقف أم تغيّرت طريقة التفاوض؟

واشنطن والصحراء المغربية.. هل تغيّر الموقف أم تغيّرت طريقة التفاوض؟
مقالات رأي / الإثنين 28 شتنبر 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم : محمد أحواش – ناشط إعلامي / متتبع

لم يكن تصريح مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية، حول الصحراء المغربية مجرد تصريح عابر، خصوصاً أنه جاء في وقت يعرف فيه الملف حراكاً دبلوماسياً متسارعاً، وبعد جولات من المفاوضات شاركت فيها الأطراف المعنية.

بولس قال بوضوح إن الولايات المتحدة ما زالت متمسكة بموقفها الداعم للسيادة المغربية على الصحراء، وبالحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. لكنه قال في المقابل إنه لا توجد، في الوقت الراهن، «حلول وشيكة» يمكن الحديث عنها، وإن واشنطن ما زالت تنتظر رداً رسمياً من جبهة البوليساريو بشأن مقترح الحكم الذاتي.

وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.

هل نحن أمام تراجع أمريكي عن الحكم الذاتي؟ أم أمام محاولة أمريكية لإدارة المفاوضات بطريقة مختلفة؟

المعطيات المتوفرة لا تسمح بالقول إن واشنطن عادت إلى خيار الاستفتاء. بل إن آخر تصريحات بولس نفسها تؤكد استمرار دعم الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. كما أن المسار الذي قادته واشنطن خلال الأشهر الماضية كان يتحرك حول هذا المقترح، وليس حول إعادة إحياء الاستفتاء بصيغته القديمة.

لكن الجديد في كلام بولس هو أنه كشف، ولو بشكل غير مباشر، أن الحكم الذاتي لم يتحول بعد إلى اتفاق نهائي.

فالولايات المتحدة تستطيع دعم المقترح المغربي، لكنها لا تستطيع ببساطة فرضه على الطرف الآخر. ولذلك يبدو أن واشنطن تحاول الانتقال من مرحلة إعلان الموقف إلى مرحلة انتزاع موقف تفاوضي من البوليساريو والجزائر.

وهذا يفسر، جزئياً، لماذا تتواصل واشنطن مع الجزائر في الوقت نفسه الذي تؤكد فيه دعمها للمغرب.

قد يبدو الأمر للبعض تناقضاً، لكنه في الدبلوماسية الأمريكية ليس بالضرورة كذلك. فواشنطن قد ترى أن الوصول إلى تسوية يتطلب إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع جميع الأطراف، حتى مع الطرف الذي تختلف معه حول جوهر القضية.

واللافت أن بولس وصف الجزائر بأنها شريك مهم للولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه أكد أن واشنطن لا تستطيع الوصول إلى تسوية من دون تقدم في موقف البوليساريو.

هنا يمكن فهم ما يصفه البعض بـ«اللعب الأمريكي» بطريقة أكثر دقة.

الأمر قد لا يكون تراجعاً عن المغرب، وإنما لعبة ضغط وتفاوض على الطرفين: المغرب مطلوب منه الاستمرار في تقديم تفاصيل وضمانات حول الحكم الذاتي، والبوليساريو والجزائر مطلوب منهما الانتقال من الرفض المبدئي إلى موقف تفاوضي قابل للنقاش.

أما الاستفتاء، فإعادته إلى الواجهة ليست أمراً يمكن استخلاصه من تصريح بولس وحده. بل إن الحديث الأمريكي الحالي يدور حول تسوية سياسية تفاوضية، مع بقاء الحكم الذاتي المغربي في مركز المقترح الذي تتعامل معه واشنطن.

ومع ذلك، فإن على المغرب أن يقرأ التصريحات الأمريكية بواقعية، لا بنشوة سياسية ولا بقلق مبالغ فيه.

فالاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء ورقة دبلوماسية كبيرة، لكنه لا يعني تلقائياً أن واشنطن ستفرض في النهاية كل التصورات المغربية بشأن تفاصيل الحل. وفي المقابل، مجرد استمرار التفاوض لا يعني أن الموقف الأمريكي من السيادة المغربية قد تراجع.

وهنا تكمن أهمية تصريح بولس.

فالرجل لم يقل إن واشنطن تخلت عن الحكم الذاتي، ولم يعلن العودة إلى الاستفتاء، لكنه قال شيئاً آخر أكثر أهمية: لا يوجد حل نهائي وشيك، والمفاوضات لم تصل بعد إلى نهايتها.

وهذا يعني أن المرحلة المقبلة قد تكون مرحلة تفاوض على شكل الحكم الذاتي ومضمونه وضماناته وترتيباته أكثر مما هي عودة إلى نقطة الصفر.

كما أن قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي استند إليه المسار الحالي، جعل مقترح الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات من أجل حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف. لذلك فإن الانتقال فجأة إلى استفتاء يتضمن خيار الاستقلال سيكون تحولاً كبيراً يحتاج إلى مؤشرات أمريكية وأممية صريحة، وهي مؤشرات لا تظهر في التصريحات الأخيرة التي راجعتها.

المشكلة إذن ليست أن أمريكا «غيّرت موقفها» بقدر ما أن واشنطن اكتشفت أن تثبيت موقفها شيء، وتحويله إلى اتفاق نهائي شيء آخر.

ومن هنا يمكن فهم العبارة التي قد تبدو محيرة في تصريح بولس: دعم واضح للحكم الذاتي، يقابله اعتراف بعدم وجود حل قريب.

إنها ليست بالضرورة مفارقة، بل تعكس صعوبة تحويل الموقف السياسي الأمريكي إلى تسوية يقبل بها جميع الأطراف.

أما السؤال الذي سيحدد اتجاه المرحلة المقبلة فهو ليس: هل عادت أمريكا إلى الاستفتاء؟

بل: هل تستطيع واشنطن إقناع الجزائر والبوليساريو بالدخول فعلياً في مفاوضات حول الحكم الذاتي، أم أن المفاوضات ستظل تدور في حلقة مفرغة؟

الجواب عن هذا السؤال هو الذي سيكشف خلال الأشهر المقبلة حقيقة المقاربة الأمريكية الجديدة.

وفي انتظار ذلك، يبقى الاستنتاج الأكثر حذراً هو أن الحكم الذاتي ما زال هو العنوان الأمريكي المعلن، لكن واشنطن لم تنجح بعد في تحويل هذا العنوان إلى تسوية نهائية.

وهنا بالضبط توجد مساحة المناورة الدبلوماسية التي تجعل تصريحات مسعد بولس جديرة بالقراءة أكثر من مرة.

 

 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك