أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا
"فاطمة
الزهراء، ملي لبستي القفطان كنتِ فخران..ومنين نطق لسانك وليتِ فكعان".
وعلى لسان
الفنان اللبناني العربي المسيحي مارسيل خليفة: "أخجل من دمع أمي".
وأنا أقول:
أخجل أن تمثلني "فاطمة الزهراء المنصوري"، بنت الباشا، في مهمة دولية،
بينما لا أجد في أدائها ما يعكس الاعتزاز الكامل بهويتي ولغتي.
أنا مغربي
وأفتخر بمغربيتي، وأعتز بلغة دستوري العربية، وبالأمازيغية، وبكل اللهجات والألسن
المغربية، من طنجة إلى الكويرة، بما فيها الحسانية والريفية والشلحة والزمورية
والسوسية والجبلية.
هذه ليست منّة
من أحد، بل حقوق وهوية وانتماء لا يملك أي مسؤول، مهما علا نفوذه، أن ينتزعها مني
أو يتصرف فيها كما يشاء.
"فاطمة
الزهراء المنصوري" الفرنساوية، بصفتها رئيسة للحكومة والمنتخبة ديمقراطيا، كما
أخبرونا، ليست مجرد مسؤولة تؤدي مهمة عابرة، بل شخصية تتحدث باسم دولة وشعب وتاريخ
وهوية، ولا أريد هنا الخوض في ما يروج حول "حكومة الصاك" وما يقال عنها
ولا شأن لي بهذا، ولا في السجالات التي تتناقلها المواقع المتحالفة والمضادة،
لكنني أجد نفسي أمام سؤال أكبر من كل الحسابات السياسية: كيف يمكن لمسؤولة مغربية
أن تمثل المملكة في قمة دولية بموسكو، وهي مطالبة بأن تحمل معها لغة الوطن ورموزه وكرامته،
ثم تختار أن تخاطب الحاضرين بلغة المستعمر القديم؟ .
إن اللقاء
الثالث للقمة الإفريقية الروسية مناسبة للتداول في قضايا القارة والتعاون وتبادل
المصالح، لكن تمثيل المغرب لا ينفصل عن هويته الدستورية والثقافية.
لقد تأملت المشهد
في البداية بشيء من التفاؤل، امرأة مغربية تتولى رئاسة الحكومة، وتحضر لقاء دوليا
بهذا المستوى، وترتدي القفطان المغربي وتتزين بالزي المغربي، فتبدو في الصورة
سفيرة للسياسة والثقافة والهوية الوطنية، وأقول وعندما وطئت قدماها موسكو، كان من
الطبيعي أن يشعر المغاربة بالفخر، وأن ينتظروا منها حضورا يليق ببلد عريق ومتعدد
اللغات والثقافات.
لكن الصورة التي صنعتها الملابس التقليدية لم
تكتمل بالكلمة التي ألقيت، لأن القفطان وحده لا يكفي لتمثيل الهوية، والزي الوطني
لا يصبح رسالة ثقافية إذا غابت عنه اللغة التي ينتظر المواطن أن يسمعها من ممثله
في المحافل الدولية.
ثم جاءت لحظة
إلقاء الكلمة، فإذا باللغة الفرنسية تتصدر المشهد في ملتقى إفريقي روسي، وكأن
المغرب لا يملك لغة رسمية يستطيع أن يخاطب بها العالم.
لقد أثار هذا
الاختيار غضب كثير من المغاربة واستفز مشاعرهم، وفتح نقاشا واسعا على مواقع
التواصل الاجتماعي، لأن المسألة لم تكن مجرد اختيار لغوي عابر، بل سؤالا عن معنى
تمثيل الدولة وعن الرسالة التي نبعث بها إلى شركائنا الأفارقة، فاللغة الفرنسية،
مهما كانت مكانتها لدى من يتحدثون بها، ليست لغة المغرب الدستورية، وليست اللغة
الوحيدة القادرة على إيصال أفكارنا ومواقفنا، ولا يوجد ما يبرر التعامل معها
وكأنها شرط للظهور الدبلوماسي أو عنوان للرقي السياسي والتمظهر الفارغ والتحدث
"بالفغنسيسية".
والأكثر
إيلاما أن هذا الاختيار جاء في لقاء إفريقي، على أرض قارة عانت شعوبها طويلا من
الاستعمار الفرنسي وغيره، ومن سياسات لم تستهدف الثروات وحدها، بل امتدت إلى
الهوية والثقافة واللغة، إن ذاكرة إفريقيا تحمل صفحات سوداء ثقيلة من القتل والقمع
ومحاربة التعليم واللغة العربية، ومن ذلك ما شهدته السنغال وغيرها من البلدان
الإفريقية، فضلا عن تجارب الاستعمار في مالي والنيجر والغابون والجزائر والمغرب،
وقتل العلماء والفقهاء ومعلمي اللغة العربية.
ولا يمكن
اختزال التاريخ الاستعماري في تبادل المصالح أو في صور دبلوماسية أنيقة.
فقد كان صراعا
على الأرض والإنسان والذاكرة، ومحاولة لفرض ثقافة المستعمر على شعوب أرادت
الاحتفاظ بلغاتها وهوياتها.
وضعت "فاطمة
الزهراء المنصوري" في المشهد الذي أراه، ومن الزاوية التي أعتقد أن من حقي أن
أحاكم من خلالها أداءها الدبلوماسي فقط: زاوية المواطن الذي يريد أن يرى بلده
ممثلا بلغته وهويته، لا زاوية الحسابات السياسية ولا التنظير الدبلوماسي، لا أريد
الدخول في تفاصيل الجغرافيا السياسية والاقتصاد والتوازنات الدولية، ولا في
الأرقام والمصالح التي دارت حولها القمة.
أريد فقط
التذكير بأن من يمثل المغرب يمثل ملكه محمد السادس وشعبه، ويمثل دستورا يقر بالعربية
والأمازيغية لغتين رسميتين، وهذه أمانة لا يجوز التعامل معها باستخفاف، خصوصا في
زمن الذكاء الاصطناعي والترجمة الفورية، حيث لم يعد غياب الترجمة عذرا مقبولا، ولم
تعد اللغة الفرنسية ضرورة لا يمكن تجاوزها في لقاء دولي.
كان بإمكان
رئيسة الحكومة أن تلقي كلمتها بالعربية، وأن تستعين بالترجمة الفورية أو الفورية
المكتوبة، وأن تجعل من حضورها مناسبة لتأكيد مكانة لغة الوطن، لا أن تظهر وكأنها
موفدة فرنسية أو سفيرة لسياسة "إيمانويل ماكرون"، فالعربية ليست عبئا
على الدبلوماسية المغربية، بل جزء من شخصيتها ومرجعيتها، وهي لغة القرآن الكريم في
دولة إمارة المؤمنين، ولغة دستور البلاد وتاريخها الثقافي والحضاري.
وكما قال
الشاعر حافظ إبراهيم:«وَسِعْتُ كِتابَ اللَهِ لَفظاً وَغايَةً..وَما ضِقْتُ عَن
آيٍ بِهِ وَعِظاتِ». أما تعلم اللغات الأجنبية فهو أمر محمود ومطلوب، لكنه لا يعني
التنازل عن لغة الوطن أو تقديمها في مرتبة أدنى من لغة المستعمر "ليوطي".
إن تحدثك
بالفرنسية في القمة الإفريقية الروسية كان اختيارا غير موفق، واستفز مغاربة يعتزون
بلغتهم وهويتهم، ولا يقبلون أن يتحول الانفتاح على العالم إلى ارتهان لغوي أو
ثقافي، وأستحضر هنا أبيات للشاعر "حافظ إبراهيم" التي ما زالت تختصر
معركة اللغة والكرامة: أَرى لِرِجالِ الغَرْبِ عِزّاً وَمَنعَةً، وَكَمْ عَزَّ
أَقوامٌ بِعِزِّ لُغاتِ.
وقال أيضا: أَيُطرِبُكُم مِن جانِبِ الغَرْبِ
ناعِبٌ، يُنادي بِوَأْدِي في رَبيعِ حَياتي
ثم صرخ بلسان
العربية: رَمَوني بِعُقمٍ في الشَبابِ وَلَيتَني عَقِمتُ فَلَم أَجزَع لِقَولِ
عُداتي
ويا له من وأد
حين تُهمّش لغة الضاد على أيدي أبنائها، وهي التي حملت المعرفة والعلوم والشعر
والفكر، وصمدت قرونا طويلة في وجه محاولات الإقصاء والتهميش، فاللغة العربية ليست
لغة عاجزة ولا ميتة، بل لغة حية ذات امتداد تاريخي عميق، تشهد عليه النقوش والآثار
والمخطوطات أزيد من 2900، وتؤكده مكانتها في وجدان الملايين.
لذلك أقولها
بوضوح: لا أريد من رئيسة الحكومة أن تتخلى عن تعلم الفرنسية أو غيرها، وإنما أريد
منها أن تعرف متى تتحدث بلغة دستور الوطن، وأن تدرك أن القفطان لا يمثل المغرب
وحده، بل تمثله أيضا الكلمة واللسان والموقف، فحين ترتدين لباس المغرب ثم تخاطبين
العالم بلغة المستعمر، تتركين في المشهد نقصا لا يسده أي زينة أو بروتوكول.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك