بقلم : محمد أحدو
تُعد
الذاكرة التاريخية لمنطقتي الغرب والشمال في المغرب سجلًا حيًا لصراع الإنسان مع
دورات الطبيعة، وهو الصراع الذي وثقته "البعثة العلمية الفرنسية" (Mission
Scientifique du Maroc) بدقة ميكروسكوبية مطلع القرن العشرين.
ففي متون
تقاريرها المنشورة في سلسلة "الأرشيفات المغربية" (Archives
Marocaines)، لم تكن الفيضانات مجرد حوادث عابرة، بل
صاغتها البعثة كعنصر بنيوي في فهم جغرافية المجال.
وتبرز هنا
دراسات السوسيولوجي والجغرافي الفرنسي "إدموند ميشو بيلير" (Edmond
Michaux-Bellaire)، الذي أفرد حيزاا كبيرا لوصف طبوغرافيا
ومناخ هذه المناطق؛ حيث صور وادي سبو في الغرب كعملاق متمرد يحول السهول إلى
"مرجات" شاسعة ومستنقعات دائمة، مما جعل المنطقة في نظر البعثة مجالاً
خصباً للاستثمار الفلاحي شرط "ترويضه" هندسياً وتجفيفه من أوبئة
الملاريا التي كانت تلازم ركود المياه حينها .
أما في
الشمال، فقد ركزت أبحاث البعثة، ومنها كتابات "أوغسطين برنارد" (Augustin
Bernard)، على أودية الريف واللوكوس، واصفةً إياها
بالسيول الفجائية التي تنحدر بعنف من القمم الجبلية، معتبرةً إياها عوائق طبيعية
أمام التوغل العسكري والربط السككي بسبب طبيعة التربة التي ترفض امتصاص المياه
وتدفع بها بقوة نحو المنخفضات.
هذا التوصيف
التاريخي يجد صداه اليوم بشكل في
الفيضانات الحضرية التي تضرب مدن الشمال
والسهول الغربية، حيث نكتشف أن "الماء لا ينسى مجراه" أبدا.
فالمناطق التي صنفتها التقارير الاستعمارية قبل قرن كـ "مناطق مد طبيعي"
أو "أحواض تجميع"، هي ذاتها المواقع التي شهدت في السنوات الأخيرة فواجع
إنسانية وخسائر اقتصادية نتيجة الزحف العمراني الذي تجاهل تلك الحقائق الجيولوجية
الموثقة. إن ما يحدث اليوم في القصر الكبير ومدن الشمال من فيضانات الناتجة عن
التخفيف للضغط على السدود ، أو في سهل
الغرب من عزل للقرى، هو ترجمة معاصرة لتحذيرات "ميشو بيلير" ورفاقه
القدامى، لكن مع فارق جوهري تتمثل في "التطرف المناخي" الحالي؛ إذ أصبحت
التساقطات أكثر تركيزاً وعنفاً، مما جعل الحلول الهندسية التي استُلهمت من تلك
الدراسات التاريخية، كالسدود وقنوات التصريف، تقف أحياناً عاجزة أمام قوة
"الإسمنت" الذي سد مخارج الإغاثة الطبيعية للأودية، ليبقى الدرس
المستفاد من مراجع الماضي هو ضرورة التصالح مع جغرافية الماء بدل محاولة إلغائها
عبر الزحف العمراني على مجاري المياة
والاودية .
أخي الكريم الأستاذ الدكتور محمد أحدو، تحياتي وتقديري لك. مقالك غني وقوي لأنه لا يكتفي بوصف الفيضانات كوقائع عابرة، بل يعيدها إلى جذورها الجغرافية والتاريخية. وما وثقته البعثة العلمية الفرنسية مطلع القرن العشرين، خاصة عند ميشو بيلير وأوغسطين برنارد، لم يكن اكتشافًا جديدًا بقدر ما كان امتدادًا لملاحظة أقدم نجد صداها عند الجغرافيين المسلمين، مثل الإدريسي والبكري وابن حوقل، الذين تحدثوا منذ قرون عن خصوبة سهول الغرب وخطورة بعض أودية الشمال عند فيضاناتها. اليوم، جرى تجاهل هذه الذاكرة الهيدرولوجية بفعل الزحف العمراني، فبُني الإسمنت فوق مجاري الأودية ومناطق الفيضان الطبيعية، وحين يعود الماء لا يفعل سوى استعادة حدوده التاريخية. علميًا، الكارثة ليست في الفيضان ذاته، بل في تلاقي الخطر الطبيعي مع هشاشة عمرانية صنعتها اختيارات التخطيط وسوء تدبير المجال. ومع التطرف المناخي الذي تعرفه منطقتنا، حيث أصبحت التساقطات أقل انتظامًا وأكثر عنفًا، تبدو حتى الحلول الهندسية الكلاسيكية عاجزة أحيانًا. الخلاصة واضحة: تاريخ الفيضانات في الغرب والشمال ليس مادة للأرشيف فقط، بل إنذار للمستقبل، فالماء لا ينسى مجراه، لكن الإنسان كثيرًا ما ينسى دروس الجغرافيا.