حرب المصاحف..هل المصحف الموجود حاليا هو القرآن الأصلي أو القرآن المتطور؟ (الجزء الاخير)

حرب المصاحف..هل المصحف الموجود حاليا هو القرآن الأصلي أو القرآن المتطور؟ (الجزء الاخير)
مقالات رأي / الثلاثاء 12 ماي 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم : د.عبد الله الجباري

الملاحظة السادسة: أحضر الأستاذ الناجي أوراقا لقراءة بعض الأمثلة، خلافا لأعراف البودكاست التي تتميز بإجابات الضيف العفوية بناء على ما تختزنه الذاكرة (هذا ما يؤكد ما ذهبنا إليه كوننا أمام مونولوغ ولسنا أمام حوار)، ومن الأمثلة التي أوردها للدلالة على التطور القرآني:

المثال الأول: قوله تعالى: "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم" وفيه إدراج عبارة [وهو أب لهم]، وقد ادعى الأستاذ الناجي دعاوى متعددة حول هذه الآية:

الدعوى الأولى: أن الآية نزلت حين كان زيد متبنى من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم، والآية لا علاقة لها بهذه النازلة.

الدعوى الثانية: القراء بقوا متمسكين بهذه العبارة لأنهم كانوا يعتبرون الرسول صلى الله عليه وسلم أبا، وإطلاق [القراء] يفيد أن أغلب القراء أو كلهم بقوا متمسكين بهذا اللفظ بعد مصحف عثمان، والصواب أن قراءة [وهو أب لهم] لم ترد إلا عن عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله بن عباس، وهذا الفهم المدرج في الآية لا يتجاوز هؤلاء الثلاثة.

الدعوى الثالثة: عبارة [وهو أب لهم] فهمٌ للقرآن وليس قرآنا، وأُدرجت كتابةً في المتن القرآني شرحا وبيانا فاختلطت بالمتن كما اختلطت به كثير من التفسيرات، لعدم التمايز في لون الكتابة بين المتن والشرح أولا، ولعدم إبداع تقنيات الكتابة آنئذ للتمييز بين المتن والحاشية.

وللدلالة على أنه من المستحيل أن تكون [وهو أب لهم] قرآنا منزلا أنها تتعارض مع [ما كان محمد أبا أحد من رجالكم]، فكيف ينفي الله الأبوة هنا ويثبتها هناك؟

وللدلالة على أن [وهو أب لهم] شرح وبيان أن الصحابة اختلفوا في موضعها، فابن عباس قال: [النبي أولى بالمومنين من أنفسهم وهو أب لهم]، وأبي بن كعب قال: [النبي أولى بالمومنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم]، ودلالة هذا التقديم والتأخير أن كل واحد ذكر الشرح والبيان في الموضع الذي أراده، فأولهما ذكر الأبوة بعد الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، والآخر أرجأها وكتبها بعد إتمام الآية.

والأبوة المذكورة في شرح هؤلاء الصحابة جاءت مشاكَلةً للأمومة الواردة في حق أمهات المومنين، وهي للدلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم صاحب حرمة ومستحق للتعظيم، وهو من باب "ملة أبيكم إبراهيم"، ويمكن أن تكون أبوته من باب الولاية لأنه قال: [أولى بالمومنين من أنفسهم]، وهي بمعنى الآية الأخرى: "حريص عليكم بالمومنين رؤوف رحيم".

وكل هذه القرائن تؤيد أن عبارة [وهو أب لهم] ليست لفظا قرآنيا منزلا، وإنما شرح وبيان من بعض الصحابة رضي الله عنهم دون أن يمارسوا صراعا طبقيا مع أحد.

المثال الثاني: المثال الذي جعله الأستاذ الماركسي محمد الناجي دليلا على التطور القرآني بناء على الصراع الطبقي هو قوله تعالى: "إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما"، بدليل أن البعض طورها ليقرأ [فلا جناح عليه ألا يطوف بهما]، وهذه مسألة لا علاقة لها البتة بالصراع الطبقي، والأصل في المسألة أن الصفا والمروة كانا موقعيْ أصنام شهيرة في الجاهلية، فتحفظ الأنصار على الطواف بهما، بناء على "إن الصفا والمروة من شعائر الله"، لذا أنزل الله تعالى بعدها "فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما"، فأين الصراع الطبقي هنا؟

المثال الثالث: "يسألونك عن الأنفال"، قرأها سعد بن أبي وقاص وابن مسعود [يسألونك الأنفالَ]، فتوهم الأستاذ الناجي بفهمه الماركسي أن إسقاط [عن] تدل على تطور النص القرآني المبني على الصراع قبل ضبط طرق توزيع الأنفال.

والصواب أنه لا صراع في الأمر، لأن معنى الآية واحد سواء بإثبات [عن] أو بإسقاطها، لأنه من المباحث اللغوية التي لا يفقهها الباحث الناجي، لأن إسقاط الحرف لا يعني بالضرورة إلغاء معناه، وهذا ما عبر عنه اللغويون بحذف الحرف وهو مرادٌ معنىً، وقد صاغوا هذا في قاعدتهم: "حذف الحرف وهو مرادٌ معنىً أسهلُ من زيادته لغير معنىً غير التوكيد"، ولو كان الأستاذ الناجي يتحدث من غير زاد لغوي عن نص أدبي لهان الخطب، أما أن يقتحم عقبة التأليف في القرآن وحول القرآن بغير زاد لغوي فهذا إخلال بأول شروط التعامل مع النص القرآني، وهو خلل منهجي لا نجده إلا عند مجتهدي العصر كمحمد شحرور ونظرائه.

المثال الرابع: ذكر الأستاذ الناجي آية: "يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستانسوا وتسلموا على أهلها ..."، وقال عقب ذكره للآية: [الصواب يجب أن يقال: حتى تستأذنوا]، هكذا صار الأستاذ الناجي يمارس نقده الماركسي على القرآن، ويقول: يجب أن يقال كذا بدلا عن كذا.

ثم قال عقب نقده للقرآن: [في مصحف أُبَي "حتى تستأذنوا لكم والتسليم خير لكم من تحية الجاهلية"، وأن أغلب المفسرين يقولون بأن هذا غلط من الكاتب، وحين نذهب إلى المعجم نجد [تستأنسوا] هي [تستأذنوا]، بمعنى أنهم مارسوا ضغطا على اللغة ليعطوا ذلك المعنى، أما ابن العربي فقال بأنها ليست غلط الكاتب]، هذا كلام الأستاذ الناجي، ولنا عليه تعليقات هي تعقيبات:

أولها: ادعى الناجي أن أغلب المفسرين يقولون بأن [حتى تستأنسوا] غلط من الكاتب، وهذا غير صحيح، بل هذا القول منسوب إلى ابن عباس وليس إلى [أغلب المفسرين]، وهذا من الافتراء المراد منه التهويل لإسقاط القداسة عن القرآن، وجزء مهم من قدماء الماركسيين المغاربة كان لهم عداء للدين، ولما سأل الصحفي الأستاذَ الناجي عن هذا الماضي أنكره بالمرة، وهذا من إنكار المتواتر، ومن يفتري على التاريخ القريب يسهل عليه الافتراء على [أغلب المفسرين].

ومما يدل على أن [أغلب المفسرين] كانوا على عكس ما ادعاه الناجي، نورد نتفا من أقوالهم، قال الزمخشري: "لا يعول على هذه الرواية"، وقال الإمام الخازن في تفسيره: "وفي هذه الرواية نظر، لأن القرآن ثبت بالتواتر، والاستئناس في اللغة الاستئذان"، وقال الحكيم الترمذي: "هذا كلام جاهل أو ملحد يكيد الدين"، قال السمين الحلبي عن هذا القول: "منحول على ابن عباس"، ولن نذكر ما قاله ابن العربي المعافري لأن الناجي أشار إليه، والنصوص الرافضة لهذا القول متعددة، فلو عكس الناجي قوله وقال بأن أغلب المفسرين رفضوا هذا القول لكان محقا، ولكن رحم الله البحث العلمي، ورحم الله المنهج الماركسي.

ثانيها: ادعى الأستاذ الناجي أن المسلمين مارسوا ضغطا على اللغة ليطوعوها فتصير [تستأنسوا] بمعنى [تستأذنوا]، وهذا غريب، ولو كان الرجل يحترم نفسه لما اقتحم هذه العقبة خصوصا أنه قال وصرح بأنه ليس لغويا، ومن الشعر العربي قول النابغة:

[كأن رَحلي وقد زال النهارُ بنا//بذي الجليل على مستأنِسٍ وَحِدِ]

و[المستأنس] هنا يقصد به ثورا وحشيا أحس بما رابه فهو يستأنس، أي يبصر ويتلفت هل يرى أحدا، والنابغة صاحب هذا البيت كان قبل نزول القرآن، فلا يمكن أن نقول عنه بأنه يضغط على اللغة لتلائم النص القرآني كما ادعى الأستاذ الناجي.

وإذا كان [المستأنس] المبصر والمتلفت، فهو لا يتناقض مع [المستأذن]، لأن المستأذن يريد أن يعلم من في الدار، والمبصر يريد أن يعلم أيضا، فاجتمعا في طلب العلم.

ومما يؤيد ما ذكرنا أن الاستئناس ليس دائما بمعنى طلب الأنس، أي ضد الوحشة كما قال الأستاذ الناجي في الحوار المذكور، بدليل قوله تعالى: "آنست نارا"، بمعنى أبصرت نارا، وقوله تعالى: "فإن آنستم منهم رشدا" بمعنى علمتم.

يعضد ما ذهبنا إليه نظمُ الآية نفسها، فإنه سبحانه وتعالى قال: "يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستاذنوا وتسلموا على أهلها، ذلكم خير لعلكم تذّكرون، فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يوذن لكم"، وختْم الآية بـ[حتى يؤذن لكم] دليل قوي على أن الاستئناس المذكور هو الاستئذان، وهذا ما لم يتفطن له الأستاذ الناجي لتسرعه ولقلة زاده في اللغة ولخلفيته الإيديولوجية في التعامل مع النص القرآني الذي يجتهد في إسقاط قدسيته بدعوى خضوعه للتطوير.

هذه نتف من التعليقات وجمَل من الملاحظات على الحلقة التي استضافت الأستاذ الماركسي محمد الناجي، ولولا العياء لأضفت تعليقات أخرى لا تقل عما ذُكر، وللقارئ أن يقيس ما لم نذكره على ما ذكرناه، ليتبين لا علمية الرجل في مقاربته لموضوعة القرآن الكريم، وهنا نحيط القراء علما أن نقدنا للأستاذ الناجي ليس مبنيا على الصراع الطبقي، وليس مبنيا على الصراع السياسي، حتى لا يتسرع ماركسي بوصمنا بما وصم به الأستاذ الناجي جلةَ الصحابة رضي الله عنهم.

وعموما، فالقرآن الكريم وحي رباني، ونص إلهي، تولى الله حفظه، وهيأ لذلك سيدنا عثمان ومن معه، وقبله هيأ الله لذلك الحفظ سيدنا أبا بكر بإشارة من سيدنا عمر، وهذا ما لم يذكره ولم يعرج عليه الأستاذ الناجي طيلة الحلقة.

والقرآن كلام الله المعجز، لذا كانت له القابلية لتعدد القراءات خلافا لقول البشر، وقد تعددت القراءات المتواترة المعتمدة إلى العشر، وهذا ما لم يشر إليه الأستاذ الناجي طيلة الحلقة.

ويبقى السؤال هو الادعاء الطويل العريض أن الصراع حول المصحف كان صراعا دمويا، وأن الصراع الدموي بين السلطة والقراء الرافضين لمصحفها طال أمده قرونا، ومع هذه الدعوى لم يستطع الأستاذ الناجي أن يورد ولو مثالا واحدا حول هذا الصراع الدموي الطويل والممتد في الزمن، والمثال الوحيد الذي ذكره هو مقتل عثمان، وقد بينا أنه لا علاقة له بالموضوع البتة، ولو حظي الأستاذ الضيف بصحفي نبيه لأوقفه حول هذه النقطة بأسئلة متعددة حتى يستخرج منه الأمثلة أو يفرض عليه التراجع عن قوله، لكن، لا علم ولا صحافة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك