بقلم:نعيم بوسلهام
المفارقة تبدو أكثر قسوة حين نضعها في ضوء ما كشفه تقرير
للقناة الفرنسية «فرانس 24» حول ظروف اشتغال عدد من الأطباء المغاربيين في فرنسا.
أطباء يعملون بعقود مؤقتة، وفي مصالح المستعجلات التي تعاني نقصًا في الموارد
البشرية، وفي مناطق توصف بـ«الصحاري الطبية»، حيث يصعب استقطاب الأطباء والاحتفاظ
بهم.
ومع ذلك، يواصل هؤلاء الأطباء مسارهم المهني في فرنسا، رغم
التعقيدات المرتبطة بمعادلة الشهادات وتسوية الوضعية المهنية.
فإذا كان الطبيب المغاربي مستعدًا لتحمل الغربة والعمل في
المناطق الفرنسية النائية، فلماذا يفشل المغرب في إقناعه بالبقاء في المناطق
المغربية التي تعاني أصلاً من خصاص طبي مزمن؟
الطبيب الذي يهرب من المغرب لا يهرب من الوطن فقط
من السهل أخلاقيًا إلقاء اللوم على الطبيب الذي يهاجر،
وتصويره باعتباره شخصًا أدار ظهره لبلده بعد أن استفاد من منظومة التعليم العمومي.
لكن هذا الخطاب، رغم جاذبيته الشعبوية، يتجاهل جوهر المشكلة.
الطبيب لا يغادر المغرب لأن لديه «كراهية للوطن»، وإنما لأن
سوق العمل والبيئة المهنية والآفاق المستقبلية تدفعه إلى المقارنة بين خيارات
متعددة.
وحين يجد الطبيب نفسه أمام ضغط مهني كبير، وتجهيزات محدودة،
واكتظاظ، وظروف عمل صعبة، ومسار مهني لا يوازي سنوات التكوين وحجم المسؤولية، يصبح
البحث عن بديل خارجي مفهومًا.
المشكلة إذن ليست في الطبيب وحده، بل في نظام كامل لم ينجح
في جعل البقاء خيارًا جذابًا.
من «المغرب غير النافع» إلى «الطبيب غير الموجود»
الضحية الأكبر لهذا النزيف ليست الدولة في مفهومها المجرد،
وإنما المواطن، خصوصًا في المناطق القروية والجبلية والنائية.
هناك، لا يتعلق الأمر بامتلاك مستشفى حديث أو تجهيز طبي
متطور فقط، وإنما بأبسط سؤال يمكن أن يطرحه مريض: هل يوجد طبيب أصلًا؟
فالخصاص الطبي لا يتوزع بالتساوي بين مختلف مناطق البلاد.
وغالبًا ما تكون المناطق الأقل استفادة من التنمية هي نفسها الأكثر معاناة من نقص
الأطباء.
وهكذا تصبح الهجرة حلقة إضافية في سلسلة طويلة من
الاختلالات: نقص الأطباء يؤدي إلى ضغط أكبر على الموجودين، والضغط يدفع بعضهم إلى
المغادرة، والمغادرة تعمق الخصاص، والخصاص يجعل ظروف العمل أكثر صعوبة.
إنها دائرة مغلقة يدفع ثمنها في النهاية المواطن الذي لا
يملك القدرة على السفر إلى الرباط أو الدار البيضاء بحثًا عن العلاج.
فرنسا تستفيد من كفاءة جاهزة
المفارقة الاقتصادية أكثر وضوحًا.
تكوين الطبيب يحتاج إلى سنوات طويلة من الدراسة والتدريب
والتخصص، ويتطلب استثمارات كبيرة في الجامعات والمستشفيات والأطر التعليمية.
وبعد كل ذلك، حين يصبح الطبيب مؤهلًا لممارسة المهنة، يمكن
أن ينتقل إلى نظام صحي أوروبي ليستفيد من الكفاءة التي ساهم المغرب في تكوينها.
ولا يتعلق الأمر فقط بالمال.
الدولة تخسر سنوات من الاستثمار في رأس المال البشري، وتخسر
معها الوقت اللازم لتكوين طبيب بديل.
وفي المقابل، تحصل الدول المستقبلة على طبيب جاهز نسبيًا
للعمل، حتى إذا احتاج في البداية إلى المرور بمسارات إدارية ومهنية مرتبطة
بالاعتراف بالشهادة والتأهيل.
المفارقة الفرنسية: الطبيب الأجنبي لسد الخصاص
ما كشفه تقرير «فرانس 24» يسلط الضوء على جانب شديد الدلالة:
الأطباء المغاربيون يجدون أنفسهم في فرنسا، في بعض الحالات، أمام ظروف لا تختلف
كثيرًا من حيث طبيعة المشقة عن تلك التي تدفع بعض الأطباء إلى مغادرة المغرب.
المستعجلات، المناطق النائية، العقود المؤقتة، والمسارات
الطويلة لتسوية الوضعية المهنية.
بل إن بعض الأطباء الأجانب قد يقضون سنوات طويلة قبل الوصول
إلى الوضعية نفسها التي يتمتع بها الطبيب الفرنسي.
وهنا تظهر مفارقة صارخة:
الطبيب الذي قد يرفض أو يعجز عن الاستقرار في منطقة مغربية
نائية، يقبل أحيانًا بالعمل في منطقة فرنسية نائية، لأن الفارق لا يكمن فقط في
جغرافية المكان، وإنما في قيمة العمل داخل المنظومة التي تستقبله.
الطبيب لا يبحث عن الجغرافيا المثالية بقدر ما يبحث عن نظام
مهني يمنحه الأفق والاعتراف والاستقرار.
لا تحاسبوا الطبيب... حاسبوا السياسات
من غير الواقعي مطالبة الأطباء بالتخلي عن حقهم في الهجرة.
ومن غير العادل أيضًا تحميلهم وحدهم مسؤولية أزمة صنعتها
سياسات عمومية متراكمة.
لكن هذا لا يعني أن الدولة معفاة من المسؤولية.
فإذا كانت البلاد تعرف منذ سنوات أنها تعاني نقصًا في
الأطباء، وإذا كانت تدرك أن جزءًا من خريجي كليات الطب يتجه إلى الخارج، فإن
استمرار النزيف دون سياسة فعالة للاحتفاظ بالكفاءات يعني ببساطة أن الخلل أصبح
بنيويًا.
الحل لا يكمن في لوم الطبيب، ولا في تخوينه، ولا في محاولة
إغلاق أبواب الهجرة.
الحل في جعل المغرب قادرًا على المنافسة على الطبيب المغربي
نفسه.
وذلك يمر عبر تحسين ظروف العمل، وتوفير التجهيزات، وإعادة
النظر في توزيع الأطباء، وتحفيز العمل في المناطق النائية، وتحسين المسار المهني،
وضمان العدالة في الأجور، وتقوية المستشفى العمومي.
«اللغة الفرنسية غنيمة حرب»... لمن؟
ثمة مفارقة أخرى لا يمكن تجاهلها.
فاللغة الفرنسية التي تشكل جزءًا مهمًا من التكوين الطبي في
المغرب، والتي تتيح للأطباء المغاربة الاندماج بسهولة أكبر في النظام الصحي
الفرنسي، تتحول عمليًا إلى جسر إضافي للهجرة.
ليس العيب في اللغة نفسها، ولا في تعلمها أو استخدامها في
العلوم والطب.
المشكلة في أن تتحول منظومة التعليم والتكوين وسوق العمل إلى
مسار يُنتج الكفاءات، ثم يجعل الخارج أكثر قدرة على استقطابها من الداخل.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
هل نُكوّن أطباء للمغرب، أم نُكوّن أطباء لسوق العمل الدولي؟
المغرب لا يحتاج إلى منع الهجرة... بل إلى وقف أسبابها
من حق الطبيب أن يبحث عن مستقبله، ومن حق الدولة في المقابل
أن تبحث عن آليات تحافظ بها على استثمارها في رأس المال البشري.
والحل العقلاني ليس منع الأطباء من المغادرة، وإنما معالجة
الأسباب التي تجعل الهجرة خيارًا أكثر جاذبية من البقاء.
فحين يضطر الطبيب إلى العمل في الخارج بعقد مؤقت، وتحمل مسار
إداري طويل، والعمل في مناطق نائية، ثم يواصل ذلك رغم الصعوبات، فإن الرسالة التي
ينبغي أن تصل إلى صانع القرار المغربي واضحة:
المشكلة ليست أن الطبيب المغربي لا يريد العمل في المناطق
الصعبة؛ المشكلة أنه يريد أن يشعر بأن عمله، أينما كان، له قيمة وكرامة وأفق.
وفي النهاية، لا ينبغي اختزال قضية هجرة الأطباء في سؤال:
«لماذا يهاجرون؟».
السؤال الأهم هو:
لماذا لا يستطيع المغرب الاحتفاظ بأطبائه؟
لأن البلد الذي يكوّن الطبيب ثم يعجز عن الاحتفاظ به، لا
يخسر طبيبًا فقط؛ بل يخسر استثمارًا، وخبرة، ووقتًا، والأخطر من ذلك كله، يخسر
جزءًا من حق مواطنيه في العلاج.
أما المواطن في المناطق النائية، فسيظل أمام مفارقة مؤلمة:
طبيب مغربي يعالج في مستشفى فرنسي بعيد، بينما يبحث هو في وطنه عن طبيب قريب.
وهذه، قبل أن تكون مشكلة هجرة، هي مشكلة سياسة صحية ومسؤولية
دولة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك