أطفال سبتة المحتلة بين فوضى العبور وغموض المصير

أطفال سبتة المحتلة بين فوضى العبور وغموض المصير
مقالات رأي / الأربعاء 26 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب: بقلم فهد الباهي/م.إيطاليا

تحولت قضية القاصرين المغاربة الذين وجدوا أنفسهم داخل سبتة المحتلة إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في أعقاب أحداث العبور الأخيرة، خصوصا مع الحديث عن أعداد كبيرة من الأطفال والمراهقين الذين دخلوا المدينة في ظروف استثنائية، ثم جرى نقل عدد منهم إلى مراكز ومؤسسات مخصصة للقاصرين، وهو ما يطرح أسئلة مشروعة حول مصيرهم والضمانات التي تحيط بهم

ومن وجهة نظر حقوقية وإنسانية، فإن القاصر غير المصحوب لا ينبغي أن يتحول إلى ورقة في أي صراع سياسي أو أمني، بل يجب أن تكون مصلحته الفضلى هي الأولوية، ولذلك فإن أي ظروف استثنائية أدت إلى وجود هؤلاء الأطفال في سبتة تستوجب تحقيقا مستقلا وشفافا يحدد كيف دخلوا، وكيف تم التعامل معهم، وإلى أين نقلوا، وما هي الإجراءات التي اتخذت لحماية حقوقهم

وتتداول بعض التصريحات روايات عن قيام عناصر إسبانية بفتح ممرات أمام مجموعات من المواطنين، ما ساهم في حدوث تدفق كبير نحو المدينة، وإذا ثبتت صحة هذه الروايات فإن الأمر يحتاج إلى توضيح رسمي، لأن السماح بتدفق أشخاص في وضع هش، وبينهم قاصرون، ثم التعامل معهم لاحقا باعتبارهم حالات فردية، يطرح مسؤوليات كبيرة على الجهة التي كانت تسيطر على المعابر والأمن داخل المدينة

وتزداد حساسية الملف عندما يتعلق الأمر بأطفال تتراوح أعمارهم بين 11 و17 سنة، دخل بعضهم دون مرافقة أسرية، فهؤلاء لا يملكون بالضرورة القدرة على فهم التعقيدات القانونية والسياسية المحيطة بوضعهم، ولذلك فإن نقلهم إلى مراكز الإيواء يجب أن يكون مصحوبا بإجراءات دقيقة للتثبت من هوياتهم، والبحث عن أسرهم، وضمان التواصل معها، وعدم اتخاذ أي قرار يمس مستقبلهم دون ضمانات قانونية واضحة

أما الحديث عن وجود آلاف القاصرين في سبتة، فتظل أعدادهم الدقيقة بحاجة إلى بيانات رسمية وشفافة، ولا ينبغي التعامل مع التقديرات غير الموثقة باعتبارها حقائق نهائية، لكن مجرد احتمال وجود هذا العدد الكبير من الأطفال غير المصحوبين يكفي لاعتبار القضية أزمة إنسانية تتطلب تدخلا عاجلا من المؤسسات المغربية والإسبانية والأوروبية، وليس مجرد ملف إداري عابر

ومن هنا يبرز سؤال أكبر يتعلق بالقوانين التي تحكم وضعية القاصرين غير المصحوبين داخل إسبانيا، فحماية الطفل حق أساسي، لكن تطبيق قوانين الحماية والهجرة يجب ألا يتحول إلى وسيلة لقطع الصلة بين الطفل وأسرته أو وطنه، خصوصا إذا كانت هناك إمكانية قانونية وآمنة لإعادته إلى والديه، لأن الأصل هو حماية الروابط الأسرية وعدم تحويل الطفل إلى مهاجر دائم لمجرد أنه عبر الحدود وهو في سن صغيرة

كما أن أي حديث عن استغلال هؤلاء القاصرين لأغراض اقتصادية أو ديموغرافية أو غيرها يجب أن يخضع للتحقيق والأدلة، وليس للتكهنات، فالاتهامات الخطيرة المتعلقة بالاتجار بالبشر أو الاستغلال الجنسي أو أي شبكات منظمة لا يمكن إثباتها بالخطاب السياسي، وإنما تحتاج إلى تحقيقات قضائية مستقلة ومراقبة حقوقية حقيقية تكشف الوقائع وتحاسب كل من يثبت تورطه

والتشبيه بشبكات الاستغلال الجنسي التي ارتبط اسمها بقضية إبستين يظل اتهاما بالغ الخطورة لا يجوز إطلاقه كحقيقة دون أدلة، لكن ذلك لا يعني إغلاق باب التساؤلات، بل على العكس، فإن وجود أطفال غير مصحوبين في بيئة جديدة يفرض أعلى درجات الحماية والرقابة، ويستوجب نشر معطيات واضحة حول أماكن إيوائهم، وآليات مراقبتهم، وحالات الاختفاء أو الاعتداء التي قد تسجل بينهم

وفي الجانب الآخر، لا يمكن تجاهل البعد المالي للملف، إذ تحصل الدول الأوروبية على موارد وبرامج مختلفة للتعامل مع قضايا الهجرة واللجوء وحماية الحدود، ومن حق الرأي العام أن يعرف كيف يتم إنفاق هذه الأموال، وما إذا كانت تصل فعلا إلى حماية الأطفال وتحسين ظروفهم، أم أن جزءا منها يذهب إلى تدبير أمني وإداري لا يعالج أصل المشكلة ولا يضمن مستقبل القاصرين

كما أن قضية أطفال سبتة تضع إسبانيا أمام مسؤولية خاصة بحكم سيطرتها الفعلية على المدينة، فإدارة الحدود لا تعني فقط منع الدخول أو السماح به، بل تعني أيضا تحمل المسؤولية الكاملة عن الأشخاص الذين أصبحوا داخل المجال الخاضع لإدارتها، وخاصة الأطفال الذين لا يستطيعون الدفاع عن حقوقهم بأنفسهم، وهنا يصبح الشفافية ونشر المعلومات ضرورة وليس خيارا

ومن غير المقبول أن يتحول القاصر المغربي إلى رقم في إحصائيات الهجرة أو إلى ملف للحصول على تمويل أوروبي أو إلى ورقة ضغط في العلاقات بين الرباط ومدريد، فالطفل له اسم وأسرة وذاكرة وهوية ومستقبل، وأي سياسة تتجاهل هذه الحقيقة الإنسانية تتحول إلى سياسة قاسية مهما كانت المبررات القانونية التي تستند إليها

وفي تقديري، فإن الحل الأكثر إنسانية ومنطقية هو فتح قنوات عاجلة بين المغرب وإسبانيا لتحديد هويات القاصرين، والتواصل مع عائلاتهم، ودراسة كل حالة على حدة، وإعادة من يمكن إعادتهم إلى أسرهم في ظروف آمنة وقانونية، مع ضمان عدم تعرضهم لأي عقوبة أو خطر، لأن حماية الطفل تبدأ من أسرته وتنتهي بضمان مستقبله وكرامته

إن ما جرى في سبتة لا ينبغي أن يبقى مجرد قصة عن موجة عبور جماعي، بل يجب أن يتحول إلى مناسبة لفتح تحقيق واسع حول ظروف دخول القاصرين، وكيفية استقبالهم ونقلهم، ومدى احترام حقوقهم، وأسباب عدم وجود آليات أكثر فعالية لمنع انفصال الأطفال عن أسرهم، كما يجب أن يكون المغرب حاضرا بقوة في الدفاع عن مواطنيه القاصرين ومتابعة أوضاعهم

فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تختفي قصة هؤلاء الأطفال خلف الأرقام والبيانات السياسية، فالقضية ليست قضية حدود فقط ولا أزمة هجرة عابرة، وإنما قضية أطفال مغاربة وجدوا أنفسهم وسط حدث أكبر منهم، ولذلك فإن الحقيقة الكاملة حول ما جرى، ومصير كل قاصر، وحقه في أسرته وهويته وكرامته، يجب أن تكون فوق أي حساب سياسي أو أمني أو مالي.

 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك