أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)
لم تعد أزمة سبتة مجرد حادث حدودي عابر أو موجة هجرة غير نظامية، يمكن احتواؤها ببعض الإجراءات الأمنية والبيانات الدبلوماسية.
فما وقع خلال الأسابيع الأخيرة، كشف هشاشة التوازنات التي تحكم العلاقة بين المغرب وإسبانيا، وأعاد إلى الواجهة أسئلة استراتيجية كبرى تتجاوز ملف الهجرة، لتلامس مستقبل الشراكة الثنائية ووحدة الموقف الأوروبي تجاه الضفة الجنوبية للمتوسط.
لقد وضعت الأحداث الأخيرة الحكومة الإسبانية، بقيادة بيدرو سانشيز أمام واحدة من أعقد الأزمات السياسية والإنسانية خلال السنوات الأخيرة.
فالأعداد الضخمة من المهاجرين الذين تدفقوا نحو سبتة خلقت ضغطاً هائلاً على المؤسسات المحلية والأجهزة الأمنية والخدمات الاجتماعية، وأدخلت النقاش السياسي الإسباني في مرحلة جديدة عنوانها الأمن والهجرة والحدود.
وتشير التقارير إلى أن الأزمة خلقت انقسامات حادة داخل الساحة السياسية الإسبانية، وأعادت ملف الهجرة إلى صدارة الأولويات الانتخابية.
الانعكاس الأخطر للأزمة قد لا يكون دبلوماسياً بقدر ما هو داخلي، فاليمين الإسباني، وخاصة الأحزاب المحافظة والقومية المتشددة، وجد في ما جرى مادة سياسية ثمينة لتوجيه انتقادات حادة إلى الحكومة الحالية، واتهامها بالعجز عن حماية الحدود الأوروبية.
كما أن تصاعد الخطاب المناهض للهجرة في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، عزز من فرص الأحزاب اليمينية لاستثمار المخاوف الشعبية خلال الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وقد سجلت المؤسسات المختصة ارتفاعاً كبيراً في الخطابات العنصرية والمعادية للمهاجرين عقب الأزمة، وهو مؤشر على حجم التأثير السياسي والاجتماعي الذي خلفته.
وفي حال استمرار تداعيات الأزمة دون حلول مقنعة للرأي العام الإسباني، فإن كفة اليمين قد تصبح أكثر ثقلاً في الانتخابات المقبلة.
فالتجارب الأوروبية خلال العقد الأخير، أظهرت أن أزمات الهجرة غالباً ما تتحول إلى وقود انتخابي تستفيد منه القوى المحافظة والشعبوية، التي تقدم نفسها باعتبارها المدافع الأول عن الأمن والهوية الوطنية.
وهذا ما يجعل سبتة اليوم، أكثر من مجرد ملف حدودي...إنها ورقة سياسية، قد تعيد تشكيل المشهد الحزبي الإسباني برمته.
في المقابل، يدرك المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي أن التصعيد ليس في مصلحة أي طرف. فالعلاقات المغربية الإسبانية ليست علاقة جوار عادية، بل شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والأمنية والتجارية والإنسانية.
كما أن الاتحاد الأوروبي يعتبر المغرب شريكاً أساسياً في تدبير ملفات الهجرة ومكافحة الإرهاب والاستقرار الإقليمي. لذلك تبدو كل الأطراف مجبرة على البحث عن مخارج عملية للأزمة عبر تعزيز التنسيق الأمني، وتطوير آليات إعادة القاصرين وتدبير تدفقات الهجرة ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر.
غير أن التعاون وحده لن يكون كافياً لإزالة آثار ما حدث، فالأزمات الكبرى تترك دائماً ندوباً سياسية يصعب محوها بسرعة.
وفي إسبانيا ستبقى أصوات عديدة، تنظر إلى ما وقع باعتباره اختباراً صعباً لسيادة الدولة وحدودها، بينما سيواصل جزء من النخبة السياسية والإعلامية توظيف الملف في سياقات انتخابية وأيديولوجية مختلفة.
كما أن بعض الأصوات الأوروبية بدأت تتحدث عن الحاجة إلى مراجعة شاملة لسياسات الهجرة والعلاقات مع دول العبور، وهو نقاش قد يؤثر مستقبلاً على طبيعة الشراكة مع المغرب.
ومع ذلك، فإن القراءة الواقعية تفرض الاعتراف بأن الرباط ومدريد محكومتان بالتعاون أكثر من الصدام، فالجغرافيا لا يمكن تغييرها، والمصالح المشتركة أكبر من أن تضحي بها العاصمتان بسبب أزمة ظرفية مهما كانت خطورتها.
لكن هذا لا يمنع من القول، إن سبتة 2026 ستظل محطة مفصلية في تاريخ العلاقات المغربية الإسبانية، لأنها كشفت حدود الثقة القائمة بين الطرفين وأظهرت أن ملف الهجرة ما يزال قادراً على قلب المعادلات السياسية داخل إسبانيا وإرباك الحسابات الأوروبية بأكملها.
لقد انتهت موجة العبور الجماعي، لكن تداعياتها الحقيقية لم تبدأ بعد. وما سيحدد شكل المرحلة المقبلة ليس فقط عدد المهاجرين الذين سيغادرون سبتة أو يعودون إلى المغرب، بل قدرة الرباط ومدريد وبروكسيل على تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لبناء شراكة أكثر توازناً وصلابة، قبل أن تعود الحدود نفسها لتفجير أزمة جديدة قد تكون أكثر تعقيداً وأشد تكلفة على الجميع.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك