الحلقة 8/1:أزمة النظام الدولي..الإمبريالية في لحظة فقدان الشرعية وعجز القوة عن إنتاج الهيمنة

الحلقة 8/1:أزمة النظام الدولي..الإمبريالية في لحظة فقدان الشرعية وعجز القوة عن إنتاج الهيمنة
مقالات رأي / الأحد 25 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم:العلمي الحروني/منسق تيار اليسار الجديد المتجدد من داخل الحزب الاشتراكي الموحد

تكشف التجربة الفنزويلية، كما بينت المقالات السبع السابقة ضمن حلقات "العدوان الإمبريالي الأمريكي-الغربي على فنزويلا" حدود القوة الإمبريالية حين تمارس خارج شروط الشرعية والفعالية التاريخية، كما تكثف فنزويلا التناقضات البنيوية للإمبريالية في طور أفولها، حيث لم تعد القوة الرأسمالية المعولمة قادرة على إعادة إنتاج هيمنتها إلا عبر مزيد من الحصار والعقاب والتدمير. فالعدوان الأمريكي-الغربي -لصهيوني على فنزويلا ليس تعبيرا عن فائض قوة، أو مجرد سياسة ضغط أو محاولة إخضاع دولة متمردة فحسب، إنها ممارسة إمبريالية طبقية عالمية خالصة، تكشف عجز المركز الإمبريالي عن إخضاع الأطراف، وفشله في احتواء مسارات التحرر الوطني خارج منطق السوق والرأسمال، فهي انعكاس وصورة حقيقية لأزمة نظام عالمي يتهاوى، فقد قدرته على الإملاء الأحادي وعلى إنتاج الشرعية، ولم يعد قادرا سوى على إدارة الفوضى والعقاب. لقد تحول إلى مرآة لأزمة أعمق تطال بنية النظام الدولي نفسه، حيث لم تعد أدوات "الهيمنة التقليدية" قادرة على إنتاج الطاعة أو الاستقرار.

ومن هذا المنظور، أصبحت فنزويلا ساحة اختبار لانهيار منطق الإملاء الأحادي، وبروز عالم أكثر تشظيا، تتراجع فيه القدرة على السيطرة الشاملة أمام تقدم مقاومات متعددة الأشكال، سياسية واقتصادية ورمزية. هكذا تجاوزت القضية الفينزويلية إطار السياسة الأمريكية لتصبح جبهة كاشفة لانتقال تاريخي نحو عالم أقل خضوعا وأكثر تناقضا وأشد قابلية لانفجار أشكال جديدة من المقاومة. انطلاقا من هذه الخلاصات، فإن الهدف من المقالات الثلاث الموالية إلى تركيب الخلاصات النظرية والسياسية للمسار التشخيصي التحليلي السابق مع السعي إلى استشراف ما يمكن أن تؤول إليه المواجهة المقبلة: أي مستقبل للصراع الإمبريالي في عالم لم يعد يستجيب لقواعده القديمة؟ وما التحولات في الممارسة الامبريالية المغلفة؟ وهل ما يجري في فنزويلا إحياء لمبدأ مونرو أم انزلاق نحو إمبريالية مباشرة؟ وأية تحولات في النظام الدستوري الأمريكي من جهة وفي القانون الدولي من جهة أخرى؟ وهل يدفع العدوان الامبريالي الأمريكي-الغربي-الصهيوني على فنزويلا دول "البريكس" ومنظمة شنغهاي إلى عسكرة تحالفاتها في مواجهة النظام الإمبريالي القائم؟  تلك جملة من الأسئلة التي ستحاول هذه الحلقات المساهمة في الاجابة عنها.

وجب التأكيد والتذكير بأن التحليل العام المؤطر للحلقات السابقة واللاحقة ينطلق من فرضية أساسية مفادها أن هزيمة الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، في أوكرانيا كانت من بين الأسباب العميقة لفوز دونالد ترامب بولاية ثانية، بوصفه رجل مرحلة مكلفا بإدارة الهزيمة وتداعياتها، وهو ما يفسر طبيعة خطابه وممارساته. وفي هذا السياق، عبر تصويت الأمريكيين له عن سأم واسع من الحروب التي لا تنتهي ومشاريع "بناء الدول" المكلفة، التي أضعفت مكانة الولايات المتحدة ونادرا ما نجحت، فوجد هذا المزاج الشعبي صداه في خطاب ترامب المنتقد لتلك الحروب والمتبني لمقاربة "أمريكا أولا".

ما الذي تغيّر في الممارسة الإمبريالية الأمريكية، ولماذا سقط القناع الأخلاقي؟

وحري بالإشارة التذكير بانتشار السردية التي يروجها نظام ترامب بشكل واسع وسط الجمهوريين بما فيهم عدد كبير من الجماعات المنبثقة عن "حركة ماجا" وكذلك وسط جزء كبير من قيادة الحزب الديمقراطي، هذه السردية يروجها الغرب كله والتي مفادها "أن نيكولاس مادورو طاغية ومستبد ودكتاتور فاسد نال أخيرا جزاءه ويواجه العدالة وأن كل ما يتمنونه هو أن يعيش الشعب الفنزويلي والدولة الفنزويلية الحرية والديمقراطية التي حرموا منها من طرف هوكو تشافيز" لذلك كثير من قيادات أوروبا ورؤساء الدول والاتحاد الأوروبي والكيان الصهيوني تصفق للعدوان على خطى إدارة ترامب.

كانت هناك مقدمات واضحة لعدوان إمبريالي محتمل على فنزويلا، تمثلت في منح الغرب الأوروبي جائزة نوبل للسلام لعام 2025 يوم 10 أكتوبر من نفس السنة لماريا كورينا ماشادو زعيمة المعارضة، كان الهدف إلى حد كبير من منح الجائزة إضفاء شرعية أخلاقية على الغزو وعلى تدخل عسكري أمريكي محتمل، لأنها كانت داعمة له، ما جعل محللين ينعتونها بـ " جائزة نوبل للحرب" وكان ذلك تحت شعار نشر الديمقراطية والسلام في إطار مقاربة أطروحة "السلام الليبرالي"، التي تزعم أن الديمقراطية أكثر سلمية، وأن السلام يمكن فرضه بالقوة. 

الغريب المقلق أن العقل الامبريالي يبدو وكأنه تحول من إمبريالية تتخفى خلف خطاب أخلاقي زائف إلى أخرى تعلن أهدافها بلا أقنعة. هذا هو المنطق الحتمي للرأسمالية، فهي نظام لا يستطيع الاستمرار إلا عبر النمو والتوسع الدائمين. وعندما تصل إلى مرحلة تتعذر فيها مواصلة هذا التوسع بوسائل متوازنة، تلجأ إلى الاستغلال غير المتكافئ بوصفه خيارا بنيويا. هذا هو منطق النظام الأمريكي والرأسمالية الأمريكية التي تدفع بطبيعتها نحو الاستعمار. وما نشهده اليوم ليس مجرد شكل جديد من الاستعمار، بل استعمار صريح ومباشر وواضح المعالم. فدونالد ترامب الذي يجري وراء جائزة نوبل للسلام لم "يستثمر" غطاء نوبل ماتشودو، على العكس من ذلك أبدى ازدراء تجاهها ولما تحمله من خطاب أخلاقي، لقد تحدث بصراحة عن الثروات التي يمكن نهبها من الأرض الفنزويلية في تجاوز لخطاب "الديمقراطية بالقنابل" الى خطاب بمنطق إمبريالي عار.

للإشارة، فمحاولات إسقاط حكومة فينزويلا من طرف الولايات المتحدة تحاول عمرها 23 عاما منذ محاولة الانقلاب النظام اليساري هناك على سلف مادورو، هوغو تشافيز الذي رفع شعار موارد فنزويلا ملك لفنزويلا. كما أن فكرة الغزو الحالي لفنزويلا عمرها ثماني سنوات، إذ في عام 2017، صرح ترامب في السنة الأولى من ولايته على مائدة عشاء مع قادة أميركا اللاتينية "لماذا لا أغزو فنزويلا؟" وقد أقنعه اثنان من القادة بعدم فعل ذلك (حسب رواية الخبير الاقتصادي الأمريكي جيفري ساكس)، ولقد كان السيناتور وزير الخارجية الحالي ماركو روبيو ممثل ولاية فلوريدا حيث احتفى مغتربين فنزويليين وغيرهم بالتحرك الأميركي من أبرز المشجعين على الغزو.

كان لدى الإدارة الامريكية سيناريوهان/خطتان الأول "تغيير النظام" والثاني " انتقال سلس/تدريجي للسلطة لنائبة الرئيس المختطف أو أي شخص آخر واستمالته وفي نهاية المطاف ووضع حكومة دمية موالية لأمريكا منبثقة عن انتخابات تشرف عليها لجنة تختارها أمريكا. لقد أعلن ترامب "أننا سنقوم بإدارة فنزويلا من الآن فصاعدا"، ثم قال "إن الرئيسة المؤقتة الجديدة، ديلسي رودريغيز، يمكنها البقاء في السلطة في كاراكاس طالما تفعل ما نريده، وإلا فستكون هناك ضربات أخرى". لكن، وأمام الضغط العالمي والاقليمي والداخلي الشعبي اكتفى ترامب بالسيناريو الثاني الأقل تكلفة في المال والأرواح مستبعدا بذلك الهجوم البري، وفي هذا الاتجاه غير خطابه ووجهته بالحديث عن احتلال غريلاند والإطاحة بالنظام الإيراني. 

هكذا لم يتجه ترامب لمحاولة التخلص من العناصر الأخرى المتبقية من حكومة مادورو، بالرغم من أن هناك محاولات مخاتلة لتغيير صورة تلك الحكومة. لكن إذا سارت الانتخابات بطريقة لا ترضي الولايات المتحدة، سيتم الدفع بوضع ماريا كورينا ماتشادو على رأس السلطة أو شخص آخر كعميل CIA خوان غوايدو (Juan Guaidó) الذي اشتهر دوليا بعد أن أعلن نفسه سنة 2019 "رئيسا مؤقتا لفنزويلا" الذي روج لترشيحه لجائز ة نوبل في نفس السنة.

وجب التذكير بتاريخ أمريكا في هذا الباب، ذلك ما توضحه كتابات الصحافي والمؤلف الأمريكي "لستيفن كنزر" المعروف بكتاباته النقدية حول السياسة الخارجية الأمريكية والتدخلات الاستخباراتية والانقلابات المدعومة من واشنطن، من أبرز مؤلفاته كتاب يحمل  "الإطاحة/الإنقلاب: قرن من تغيير الأنظمة الأمريكية من هاواي سنة 1893إلى العراق سنة 2003" (2006)، لقد كانت أول محاولة لتغيير نظام في ممكلة هاواي والتي أصبحت في النهاية ولاية أمريكية، وبعدها شملت تغييرات أنظمة في الفلبين وجواتيمالا وبنما وهندوراس ومحاولات فاشلة في فنزويلا طبعا في عهد تشافيز وأيضا محاولات في افغانستان وفي إيران في عهد مصدق وطبعا في العراق.

وإذا نجحت العملية بمملكة هاواي حيث تمت عن طريق الاستعمار الاستيطاني باستبدال السكان الأصليين بالمستوطنين البيض وضمها في النهاية كجزء أساسي من الولايات المتحدة، فإن هذا الأمر مستحيل الوقوع مع دول أمريكا الجنوبية التي لن تترك فنزويلا لتصبح الولاية رقم 51.

دائما ما تتخلص الولايات المتحدة من قادة الدول غير المرغوب فيهم دون التفكير فيمن سيخلفهم. الوضع المثالي بالنسبة لها دوما هو تنصيب شخص مطيع تابع لها، وغالبا ما تنظر له شعوب تلك الدول على أنه دمية مطيعة تنفذ أوامر أمريكا، الشيء الذي يسبب فترات من عدم الاستقرار ويؤدي لجملة من الإضطرابات السياسية والإجتماعية والتي تليها بالضرورة تدخلات عسكرية، والأنظمة العسكرية بطبيعتها تميل عادة ليمين الوسط أو يمين متطرف، كما أن اليمين السياسي دائما ما يكون مؤيدا للرأسمالية وللشركات الكبرى. ولأن النظام الفنزويلي تجسيد لتجليات اليسار الماركسي بدليل قرار تشافيز وبعده مادورو حيث تم تأميم الاقتصاد والثروات الوطنية، ما يحدث في النهاية هو أن حقوق الانسان والحقوق السياسية والحريات المدنية تلغى تماما أو تهمل لصالح منطق السيطرة الاقتصادية والسياسية ولصالح الرأسمالية الإمبريالية، إذ لا تعد الحقوق أو سؤال السيادة الوطنية من الأولويات الأساسية ما دامت مصالح الشركات الكبرى هي المحدد الفعلي لخيارات السياسة الخارجية الداخلية. 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك