هل المغاربة عنصران متباينان؟..عرب وبربر مؤامرة لتنصير المغرب واحتلاله (6)

هل المغاربة عنصران متباينان؟..عرب وبربر مؤامرة لتنصير المغرب واحتلاله (6)
مقالات رأي / الإثنين 09 مارس 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم:الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي الحسني

وبعد أن طرح سؤال عروبة الملك أو بربريته، أثارت السلطات الفرنسية قضية أخرى تتعلق بازدواجية الأصول العرقية للمغاربة، بواسطة إعلامها الرسمي وخريجي مركز تيومليليل في ضاحية أزرو، وعلى رأسهم صاحب أول قاموس بربري، مفتش التعليم الفرنسي الابتدائي محمد شفيق الذي ألحق فيما بعد مسؤولا في المدرسة المولوية الخاصة بتخريج كبار المستشارين الملكيين.
إن هذا الزعم الاستعماري لم يقصد به في الحقيقة إلا خدمة أهداف فرنسا في المنطقة المغاربية عامة، وإلا فإن هذه الدعوى العرقية مردودة على أصحابها، يفندها واقع الحضارة الإنسانية المعاصرة، كما يفندها العلم والتاريخ والأصول اللغوية والاجتماعية والنضال الجهادي للمنطقة منذ أربعة عشر قرنا.
ويمكن أن نوجز بعض الردود على هذه الدعاوى المتهافتة فيما يلي:
من حيث واقع التطور الحضاري الإنساني المعاصر، تعد الدعاوى العرقية وشعارات التمايز بالدم واللون واللسان متخلفة عن ركب التطور والرقي وعالم مساواة الإنسان لأخيه الإنسان، ودول أرويا وأمريكا التي يحاولون الارتباط بها واتخاذها قدوة، وهي قبلتهم، تعطي جنسيتها لمن ولد على أرضها، ولمن تزوج امرأة منها ولمن تزوجت رجلا فيها، ولمن أقام مدة معينة على أرضها، وتجرم قوانينها تجريما شديدا كل تفرقة عنصرية باللون أو الدين أو العرق أو اللسان. بل إن فرنسا نفسها مكونة في أصلها من أعراق مختلفة انضاف إليها المهاجرون من كل بقاع العالم، فلم تظهر فيها أي دعوى عرقية قط، وأمريكا وهي أكبر وأقوى دولة في العالم، فيها من الأعراق والألوان واللهجات واللغات ما لا يكاد يعد، ومع ذلك يعتز أهلها بمواطنتهم ولغتهم الرسمية التي هي الإنجليزية ووحدتهم القومية وعلمهم الواحد، ويجرمون كل دعوة عرقية، وكل جنوح من أحدهم خارج ثوابت الدولة يعتبر خيانة وتخريبا وتخلفا.
ومن حيث علم الحفريات البشرية تثبت الدراسات والمكتشفات خلال القرن العشرين أن "إنسان النياندرتال L' homme De Neanderthal" وجد على امتداد المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج لاسيما في كل من فلسطين والمغرب والجزائر وليبيا والصحراء الكبرى. ففي أحد أودية الصحراء الجافة بوادي تليسي سنة 1927م عثر على هيكل هذا الإنسان، كما عثر عليه أيضا في حفرية أخرى بضاحية من ضواحي الرباط، وحفرية جنوبي رأس سبارتل بمغارات هرقل بمدينة طنجة، ورابعة في كهف التابون بسفوح جبل الكرمل بفلسطين، وخامسة في الجبل الأخضر في برقة سنة1955م، وهذه الاكتشافات البشرية تكتسب قيمتها العلمية الكبيرة من كونها أثبتت بالدليل العلمي تشابه هذه الهياكل المكتشفة فيما بينها مما يعد أدلة مادية على وحدة سكان المنطقة العربية في أنسابهم وأصولهم منذ عصور سحيقة موغلة في القدم، ترجع إلى أكثر من خمسين ألف سنة.
ومن حيث الدراسات التاريخية القديمة بما فيها المراجع العربية واليونانية وغيرها، فإنها تؤكد انتساب البربر إلى الجنس العربي والتقاءهم معه في الأصول. وفي هذا يقول صاحب كتاب" تاج العروس من جواهر القاموس[36]" ( إنهم – أي البربر- بقية من نسل يوشع بن نون من العماليق الحميرية وهم رهط السميدع... وأكثر قبائلهم بالمغرب في الجبال من سوس وغيرها متفرقة في أطرافها، وهم زناتة وهوارة وصنهاجة وكتامة ولواتة ومديونة وشبانة، وكانوا كلهم بفلسطين مع جالوت، فلما قتل تفرقوا)
ويقول المؤرخ اليمني القاضي عبد الله بن عبد الوهاب الشماخي: ( أصل البربر قبل الزمن التاريخي بخمسة آلاف سنة يعود إلى الموجة البونية نسبة إلى بون صنعاء باليمن، وهي أول هجرة خرجت من اليمن واتجهت إلى سيناء ثم إلى المغرب، وتكونت منهم البطون البربرية الصنهاجية وغيرها، ومنهم من احتفظ باسمه القديم وهم البونيون، الذين نزلوا بعنابة في الجزائر، وكانت تسمى بونة، ويقول ابن خلدون إن البربر يعود نسبهم إلى الكنعانيين ولكن هذا خطأ، لأن الكنعانيين هاجروا إلى شمال إفريقيا بعدهم ثم امتزجوا بهم. وهذه الموجة هي التي غطت المغرب كله...وأعتقد أن ذلك كان في أيام المعينيين واليعربيين، وحسبك أن حروبهم تدعى الحروب البونية ، يقول ويلز: عرفت بالحروب البونية نسبة إلى بون صنعاء، ونقلت عن معروف الدواليبي قوله: إنما سمي البونيون نسبة إلى بون صنعاء، وهذا البون واسع وفيه القبائل الشرسة، وهي أشبه بقبائل الأوراس )
نخلص من هذا إلى أن سكان المغرب الأوائل ينتسبون إلى عدد من الهجرات العربية المتتابعة من عدة طرق، إلى منطقة شمال إفريقيا، وتنتسب كلها إلى سام بن نوح عليه السلام.
أول هذه الهجرات من نسل العماليق، وهم عرب أقحاح كما يقول الطبري[37]: ( فعاد وثمود والعماليق وأميم وجديس وطسم هم العرب، لسانهم الذي جبلوا عليه لسان عربي. وقد كان منزل جدهم عمليق الذي يرجع نسبه إلى لاوذ بن سام أب العرب، في جوار مكة، ثم انتشرت قبيلته في الجزيرة العربية والعراق والشام ومصر وغيرها، فلما هزم النبي داود عليه السلام ملكهم جالوت في فلسطين في القرن الثاني عشر قبل الميلاد خرجوا متجهين إلى المغرب حتى انتهوا إلى شمال إفريقيا).
ويقول ابن عبد الحكم[38]: ( فتقدمت زناتة ومغيلة إلى المغرب وسكنوا الجبال وتقدمت لواتة فسكنت أرض انطابلس وهي برقة وتفرقت في هذا المغرب وانتشروا حتى بلغوا السوس).
أما الهجرة الثانية فهي أيضا عربية النسب صريحته، وهي التي سارت مع الملك العربي "إفريقش" وسميت القارة باسمه. ذلك أنه في الألف الثاني قبل الميلاد وصل إلى شمال إفريقيا إفريقش بن صيفي ملك التبابعة من قبائل كهلان وصيفي العربية قادما من جنوب شبه الجزيرة العربية، وكانت أبرز القبائل التي رافقته كتامة وصنهاجة وحمير، استقروا في منطقة شمال إفريقيا واستوطنوها، وتنسب هذه القبائل كلها إلى قحطان وفالغ من ذرية سام بن نوح عليه السلام. ثم اختلطت القبائل المهاجرة الأولى من العماليق، بالقبائل الوافدة مع إفريقش فكونوا شعبا واحدا متجانسا. وفي هذا يقول محمد عبد الرزاق مناع[39]: ( وقد اختلط المهاجرون من كهلان وحمير وصيفي وبني كنعان وتصاهروا حتى صارت الجماعتان جماعة واحدة كونت شعبا متجانسا).
وبعد الفتح الإسلامي تتابعت موجات الهجرة العربية إلى المنطقة جهادا في ربوع الأندلس وأصقاع إفريقيا ووقوفا في وجه الحملات الصليبية على المنطقة، وتعليما للغة العربية والفقه والحديث والقرآن وعلومه، مما تحفل به كتب التاريخ ولا تتسع له هذه العجالة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك