بقلم:ذ حسن حلحول/محامي بهيئة الرباط
– المجهول والمعلوم والطاقة العقلية والواقع.
إن السؤال الذي طرحناه ما إذا كان التطور يتجه نحو مجهول غير ثابت وهل ان هذا المجهول هو غاية في حد ذاته ،أم أنه مجرد نتيجة حتمية للاحتكاك الطاقة العقلية والواقع؟
إن أساس طرح هذا السؤال الفلسفي الجوهري،الغاية منه هو إبراز وبيان كنه ودور نظرية المجهول كفاعلية الفاعل في تطور الفكر الإنساني من قابلية القابل الى فاعلية الفاعل أي ان المعرفة تتطور من القوة إلى الفعل او العكس ،لإن المعرفة الإنسانية ليست خطاً مستقيماً يبدأ من الجهل وينتهي بالعلم المطلق، بل هي حركة دائرية تصاعدية. كل فعل نصل إليه اليوم حقيقة نكتشفها يتحول غداً إلى قوة منطلق واستعداد للبحث عن حقيقة أعمق، حيث يتداخل المجهول والمعلوم في صيرورة مستمرة لا تتوقف ما دام العقل البشري حياً ومتسائلاً.
إن هذا التحليل ينقل بنا النقاش من حيز الميتافيزيقا الساكن والثابت إلى ديناميكية الوعي واللغة. بهذا التفاعل بين مكونات التي لها قابلية التكامل نضع اليد لإدراك نقطة جوهرية وهي الثبات في المادة أو الموضوع والتحول في الوعي أو المفهوم.
يمكن فهم هذه السيرورة عبر المحاور التالية: الذاكرة كوعاء لا كقيد، باعتبار أن الذاكرة لا تمنع العودة ولا تفرض التكرار، فإننا نكون أمام تحرر من فكرة الحتمية.الذاكرة هنا ليست شريطاً مسجلاً، بل هي المادة الخام التي يعاد تدويرها التي باتت اللاحتمية تحدد ما بعد الحتمية التي تكون مجرد حمولة لغوية ذات النزعة المفهومية المتغيرة ،لهذا تجد أن كل ثورة علمية كبرى تصحبها ثورة في المصطلحات:
-الطاقة عند نيوتن غير الطاقه عند أينشتاين. الوجود عند أرسطو غير الوجود عند هيدجر، وما يستنبط من ذلك أن السيرورة في التطوير يواكب التطور في النزعة المفهومية ، وبالتالي فان اي تطور على مستوى الواقع يكون محايثا اللغة التي تعبر عن هذا التغير في بنية العقل. و يرى باشلار أن العقدة العلمية تحل بالقطيعة مع الخيال ، وبناء مفهوم جديد أكثر دقة ، غير أنه لم يكن موفقا عندما أظهر العلم في مؤلفه " الفكر العلمي الجديد" أنه متعال عن النسق اللغوي الوجودي ولهذا وصف النقاد فلسفته عقلانية غير هرمنيوطيقية، لأن اللغة ليست مجرد وعاء للمفاهيم وإنما تشكل شبكة أنطولوجية تحدد ما يعد شيء وما يعد لا شيء
بهذا المعنى، الانتقال من عقدة إلى عقدة لا يتم في فراغ، بل يتم داخل لغة. بيد أن تغيير اللغة يغيّر حدود المجهول النسبي نفسه.
فما هو مجهول في لغة الوصف الكلاسيكي، يصبح معلوماً نسبياً في لغة الوصف الكمومي.
العقل لا يعمل في فراغ، بل يعمل ضمن البنية المنطقية التي توفرها اللغة.وكذلك الواقع لا يظهر كله دفعة واحدة، بل يظهر بقدر ما تسمح به اللغة من تسمية وتمييز.الانتقال من سبب مُحدّد إلى نتيجة مُحدّدة هو في الأصل انتقال من صياغة لغوية إلى صياغة لغوية أدق.والنتيجة اللغة كوسيط أنطولوجي للانتقال من المجهول النسبي إلى المعلوم وما يعد عندنا معلوم يعد عند غيرنا مجهول ، المجهول النسبي ليس مجرد نقص في المعرفة، بل هو نقص في التسمية والتحديد داخل لغة ما.
على مستوى الشكل يحدث التجدد (تغيير المصطلحات واللغة).
على مستوى الموضوع تظل المواد هي نفسها (التاريخ، الذرات، العناصر الأساسية).
الحق أننا نطبق نفس المكونات الكونية لكن بوصفات ومفاهيم لغوية وعقلية مختلفة تماماً في كل دورة من تاريخ التطور المعرفي البشري.
تحول الطاقة من المادي إلى المفاهيمي ،هذه فكرة ثورية في فهم الدائرية، فبدلاً من أن نعود لنبني نفس الأثار أو المدن، تتحول الطاقة المادية بمرور الزمن والدورات إلى طاقة معرفية يدخل في التراث المادي واللامادي.
ونجد ذلك مجسدا في نظرية الجدل التاريخي الذي لا تغير الماضي، بل تغير مفهومنا عن الماضي. هذا التحول يجعل "العودة" تبدو وكأنها شيء جديد كلياً، لأن اللغة التي تصف الواقع قد تطورت، وما لا يمكن وصفه باللغة القديمة يصبح موجوداً بفضل اللغة الجديدة.
–التطور المجهول و السيرورة نحو اللامكان.
الحق ان وصف هذا التطور بأنه مجهول ويسوق إلى عالم غير ثابت، نكون قد كسرنا الدائرة المغلقة وتحولها إلى مسار مفتوح.
الدائرية تضمن استمرارية الوجود وعدم اندثاره أي البقاء في نفس المواد. الحلزونية تضمن الحركة وعدم الركود السيرورة نحو المجهول.إن العلاقة بين الدائرية والحلزونية علاقة المحايثة نحوهذا المجهول هو الذي يمنح الطاقة العقلية دافعها؛ فلو كان المستقبل معلوماً أو مكرراً بالكامل، لتوقفت الطاقة الذاتية عن الحركة. العقل يحتاج إلى هذا الأفق غير الثابت ليواصل إنتاج المفاهيم. وحاصل الكلام على ضوء ما تم طرحه.
الإنسان في هذه المنظومة ليس نسخة بل هوتأويل جديد لنفس المادة الكونية. نحن نعيش في دائرة من حيث الجوهر المادي، لكننا في انفجار مفاهيمي وتفتقه من حيث الوعي. الطاقة العقلية هنا هي المحرّك الذي يحول التكرار الممل إلى إبداع مستمر، والمادة التاريخية بدلاً من أن تكون عبئاً، تصبح مختبراً للجدل وتوليد المعاني.
إذا كان التطور يتجه نحو مجهول غير ثابت، هل أن هذا المجهول هو غاية في حد ذاته، أم أنه مجرد نتيجة حتمية لاحتكاك الطاقة العقلية بالمادة؟
اعتبر نظرية المجهول نظرية محورية لمعرفة أسس نظرية المعرفة، إن الجواب الجوهري عن هذا السؤال هل المجهول بالشيء غاية في ذاته أم نتيجة حتمية لاحتكاك الطاقي.
يستلزم تحديد مفهوم المجهول وما هو الشيئ المجهول؟ هل هو مادي ملموس ام معنوي مجرد؟
فما هو مجهول في لغة الوصف الكلاسيكي، يصبح معلوماً نسبياً في لغة الوصف الكمومي. يمكن تقسيم المجهول الى المجهول المطلق والمجهول النسبي ،كما أن المعلوم يقسم الى قسمين المعلوم المطلق هو الله علمه محيط بكل شيء، والمعلوم النسبي هو الإنسان الذي يبقى علمه قاصر وعاجز تفسير كل الظواهر.
المجهول المطلق لا يعلمه أحد من البشر ولا الملائكة ،علمه عند الله وحده. لقوله تعالى " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"
المجهول النسبي . هو ما يعد مجهول لك يعد معلوم عند غيرك والعكس صحيح، وما يعد في هذه اللغة معلوم مجهول في لغة أخرى.
العقل لا يعمل في فراغ، بل يعمل ضمن البنية المنطقية التي توفرها اللغة.وكذلك الواقع لا يظهر كله دفعة واحدة، بل يظهر بقدر ما تسمح به اللغة من تسمية وتمييز.الانتقال من سبب مُحدّد إلى نتيجة مُحدّدة هو في الأصل انتقال من صياغة لغوية إلى صياغة لغوية أدق.والنتيجة اللغة كوسيط أنطولوجي للانتقال من المجهول النسبي إلى المعلوم وما يعد عندنا معلوم يعد عند غيرنا مجهول ، المجهول النسبي ليس مجرد نقص في المعرفة، بل هو نقص في التسمية والتحديد داخل لغة ما.
إن المجهول هو شيئ غير معروف نبحث عنه لتقع الطفرة الفكرية والمعرفية الدقيقة من المجهول الى المعلوم ،ولو على سبيل تحقيق الطفرة صغيرة نسبة الصحة فيها قليلة قد تؤدي إلى الحصول العلم بالمجهول في ذاته، سأسوق مثال على ذلك ترجمة نظرية علمية او فلسفية من لغة الى اخرى ، قد لا تكون المصطلحات متطابقة ،وتقوم بتغير ما هو مجهول في لغة الأصل بفضل الترجمة يصبح معلوما في لغة المستقبلة والعكس صحيح، فالاحتكاك اللغة بالواقع ،يؤدي الى اعتبار ان المجهول حتمية مبني على ثلاث عناصر أساسية العقل المادة اللغة.
الجزء الثالث
— حتمية المجهول ومثلث المعرفة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك