المرضى النفسيون في شوارع المغرب..أين مسؤولية الدولة بين الواجب القانوني وغياب السياسة العمومية؟

المرضى النفسيون في شوارع المغرب..أين مسؤولية الدولة بين الواجب القانوني وغياب السياسة العمومية؟
مقالات رأي / الخميس 09 يوليوز 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب:فهد الباهي/م.إيطاليا

لم يعد مشهد المرضى النفسيين والمختلين عقليًا وهم يتجولون في شوارع المغرب مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل تحول إلى عنوان لإخفاق مؤسساتي يطرح أسئلة جوهرية حول مدى التزام الدولة بواجباتها الدستورية والقانونية في حماية الإنسان، وصون كرامته، وضمان أمن المجتمع.

فما هي الخطة التي أعدتها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية ووزارة الداخلية من أجل حصر هؤلاء المرضى، وإيوائهم، وعلاجهم، وتأهيلهم، وحمايتهم من التشرد والاستغلال، وفي الوقت نفسه حماية المواطنين من بعض الحالات التي قد تصدر عنها سلوكات عدوانية نتيجة اضطرابات نفسية أو عقلية لم تتلقَّ الرعاية والعلاج اللازمين؟

ولم يعد هذا الملف يقتصر على كونه قضية اجتماعية أو صحية فحسب، بل أصبح أيضًا قضية تتعلق بصورة المغرب، وهو الذي يرسخ مكانته سنة بعد أخرى كوجهة سياحية عالمية تستقطب ملايين الزوار من مختلف الجنسيات، فالسائح الذي يتجول في المدن العتيقة، والساحات العمومية، والشوارع الرئيسية، ويصادف أشخاصًا يعانون اضطرابات نفسية حادة دون أي رعاية أو مواكبة، قد يكوّن انطباعًا سلبيًا عن مستوى التكفل بالفئات الهشة وعن نجاعة الخدمات الاجتماعية والصحية.

إن صورة المغرب في أعين زواره لا تُبنى فقط بجمال الطبيعة والمآثر التاريخية، وإنما أيضًا بمدى احترامه لكرامة الإنسان وحماية الفئات الأكثر هشاشة.

لقد تابع الرأي العام خلال السنوات الأخيرة مبادرات محمودة تستهدف حماية القطط والكلاب المتشردة، عبر برامج للإيواء والتغذية والرعاية، وهي مبادرات تستحق التقدير، لأن الرحمة بالحيوان من القيم الإنسانية والدينية الرفيعة، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو:

 كيف ننجح في تعبئة الإمكانات لحماية الحيوان، بينما يظل عدد من المواطنين المغاربة، الذين يعانون أمراضًا واضطرابات نفسية وعقلية، يعيشون في الشوارع، محرومين من أبسط حقوقهم في العلاج والرعاية والكرامة؟

إن المرض النفسي أو العقلي ليس جريمة، بل وضع صحي يستوجب العلاج والتكفل الطبي والاجتماعي.

وهؤلاء المرضى مواطنون مغاربة، لهم ما لغيرهم من الحقوق التي يكفلها الدستور والقوانين الوطنية، وفي مقدمتها الحق في العلاج، والحق في الكرامة، والحق في الحماية من الإهمال والتشرد.

وتتحمل وزارة الداخلية مسؤولية محورية في هذا الملف، بالنظر إلى توفرها على شبكة واسعة من السلطات المحلية وأعوان السلطة المنتشرين في مختلف الأحياء والقرى والمدن، والقادرين على إعداد إحصاء دقيق للحالات الموجودة في الشارع، والتبليغ عنها، والتنسيق مع الجهات الصحية والاجتماعية المختصة.

فالأمر لا يحتاج إلى معجزات، وإنما إلى إرادة حقيقية، وحسن تدبير، وتنسيق مؤسساتي فعال بين مختلف المتدخلين.

كما تبقى وزارة الصحة والحماية الاجتماعية الطرف الرئيسي المسؤول عن توفير البنيات الصحية المتخصصة، ومراكز الإيواء والعلاج، وتسخير الأطر الطبية والتمريضية والنفسية، بما يضمن التكفل اللائق بهذه الفئة، وفق مقاربة إنسانية تحفظ كرامتها وتراعي خصوصية أوضاعها الصحية.

ومن جهة أخرى، فإن الأسر التي تستطيع التكفل بمرضاها ينبغي أن تحظى بالدعم والمواكبة الطبية والاجتماعية، مع تسهيل الولوج إلى العلاج والمراقبة الدورية، أما الأسر التي تعجز عن ذلك، فمن واجب الدولة أن توفر مؤسسات متخصصة تتولى رعاية هؤلاء المرضى، وإيواءهم، وعلاجهم، وحمايتهم، حتى لا يبقوا عرضة للتشرد أو الاستغلال أو الخطر.

إن استمرار هذا الوضع يطرح مسؤولية سياسية وإدارية وقانونية تستوجب المراجعة والمحاسبة والتقييم، لأن حماية الفئات الهشة ليست عملًا إحسانيًا، بل واجب تفرضه أحكام الدستور، وتقتضيه مبادئ دولة الحق والقانون، وتفرضه المسؤولية الأخلاقية للمؤسسات العمومية، كما أن ترك هذه الفئة في الشارع دون تدخل فعال يسيء إلى صورة المغرب داخليًا وخارجيًا، ويطرح علامات استفهام حول مدى نجاعة السياسات العمومية في مجال الصحة النفسية والرعاية الاجتماعية.

إن المغرب اليوم في حاجة إلى استراتيجية وطنية شاملة للصحة النفسية، تقوم على الإحصاء الدقيق، والتدخل الميداني، والعلاج، والإيواء، وإعادة الإدماج، والتنسيق بين مختلف القطاعات الحكومية والجماعات الترابية ومؤسسات المجتمع المدني، مع رصد الإمكانات المالية والبشرية الكافية لإنجاح هذا الورش الإنساني.

فالدول تُقاس أيضًا بقدرتها على حماية مواطنيها الأكثر هشاشة، وليس فقط بما تحققه من مؤشرات اقتصادية أو سياحية.

فالكرامة الإنسانية لا تتجزأ، وأي مجتمع يقاس بمدى احترامه للفئات الأكثر هشاشة.

وهؤلاء المرضى ليسوا غرباء عن هذا الوطن، بل هم أبناء المغرب، من ترابه وصلصاله وصخره وحجره، ومن حقهم أن يجدوا في وطنهم العلاج بدل التشرد، والرعاية بدل الإهمال، والكرامة بدل النسيان، وحين تصون الدولة كرامتهم، فإنها لا تحميهم وحدهم، بل تحمي المجتمع، وتعزز ثقة المواطنين، وتقدم للعالم صورة المغرب الذي يجعل الإنسان، قبل كل شيء، في صدارة أولوياته.

 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك