أنتلجنسيا المغرب:فهد الباهي/م.إيطاليا
كان عيد الأضحى في ذاكرة المغاربة
زمنا مختلفا تماما عن الذي نعيشه اليوم، كانت له هيبته الروحية والاجتماعية، وكانت
فرحته تنبع من القلوب لا من عدسات الهواتف، ومن صلة الرحم لا من عدد الإعجابات،
ومن دفء اللقاءات العائلية لا من البث المباشر والصور المصطنعة، كان العيد مناسبة
تتزين فيها البيوت بالمحبة والتسامح والوقار، ويحرص فيها الرجال والنساء على
احترام حرمة الأسرة وصون الخصوصية والحفاظ على صورة العائلة أمام الناس.
في الأزقة القديمة والقرى والبوادي
والأحياء الشعبية، كان الأطفال يركضون بملابسهم الجديدة وسط ضحكات بريئة، وكانت
النساء يخرجن بلباس الحشمة والوقار، وكان الرجال يشعرون بمسؤولية أخلاقية
واجتماعية تجاه أسرهم وجيرانهم وبنات حاراتهم ومدنهم. كانت الغيرة على العرض جزءا
من التربية والثقافة والرجولة، ولم يكن أحد يجرؤ على تحويل نساء بيته إلى مادة
للفرجة العامة أو وسيلة لجلب الانتباه.
أما اليوم فقد تغير المشهد بشكل صادم
ومخيف، حتى أصبح العيد وجميع الأعياد عند البعض مجرد مناسبة للاستعراض الرقمي وكشف
تفاصيل البيوت والعائلات والنساء أمام ملايين الغرباء، "على عينك يا بن
عدي" تحول الهاتف إلى سيد الموقف، وتحولت المناسبات الدينية إلى محتوى
استهلاكي، وأصبح كثير من الشباب يتسابقون في نشر صور أمهاتهم وأخواتهم وزوجاتهم بملابس
داخلية تظهر مفاتنهم بحثا عن الإعجابات والتفاعل والشهرة الوهمية، والربح من
الأدسنس.
الأكثر صدمة أن بعض المحتويات تجاوزت
حدود العفوية والبراءة، لتصل إلى عرض الزوجات بملابس ضيقة أو شفافة تكشف تفاصيل
الجسد بشكل مستفز تلال وهضاب وشعاب ومنخفضات ومرتفعات الجسد حتى مؤخرات زوجاتهم،
في مشاهد يتم تداولها على نطاق واسع وكأن الأمر طبيعي أو يدخل في خانة الانفتاح
والتحضر، وهنا لا يتعلق الأمر بحرية شخصية بسيطة، بل بتحول خطير في نظرة المجتمع
إلى مفهوم الخصوصية والحياء والغيرة والكرامة الأسرية، ونقول من الرجول إلى
الدياثة بأقصى معانيها.
لقد أصبحت بعض الحسابات على مواقع
التواصل الاجتماعي تبني شهرتها وأرباحها على استعراض الحياة الزوجية والعائلية
بشكل فج، حتى تحولت المرأة داخل هذه المنصات عند البعض إلى أداة لجلب المشاهدات
واللايكات وعائدات الإعلانات، ولم يعد الهدف هو مشاركة لحظة عائلية بريئة، بل
صناعة محتوى قائم على الإثارة والانكشاف واستفزاز الفضول العام، المثير للحزن أن
التعليقات التي تغرق هذه المنشورات تكشف بدورها حجم الأزمة الأخلاقية التي يعيشها
الفضاء الرقمي، تعليقات مليئة بالسخرية والإهانة والكلام السوقي والتلميحات
الجارحة، ومع ذلك يستمر بعض ناشري هذا النوع من المحتوى في السقوط أكثر فأكثر داخل
دوامة البحث عن الشهرة والمال ولو على حساب الكرامة الأسرية والاحترام الاجتماعي.
لقد صار بعض الناس مستعدين للتضحية
بكل شيء من أجل التفاعل الرقمي، حتى لو تعلق الأمر بصورة الزوجة أو تفاصيل البيت
أو خصوصية الأسرة، وأصبح هاجس الترند والانتشار يطغى على معاني الوقار والاحترام
والغيرة الطبيعية التي كانت تشكل جزءا من هوية المجتمع المغربي، هذه الظاهرة لا
يمكن اختزالها في تصرفات فردية معزولة، بل هي مؤشر على تحول عميق أصاب المجتمع تحت
تأثير الثقافة الرقمية والاستهلاك السريع للمحتوى.
فالأجيال الجديدة تربت وسط عالم
افتراضي يربط القيمة الإنسانية بعدد المتابعين، ويحول الجسد والحياة الخاصة إلى
وسيلة لجلب الانتباه وتحقيق الأرباح.
الأخطر من ذلك أن كثيرا من الناس
بدأوا يعتبرون انتقاد هذه السلوكيات نوعا من التشدد أو التخلف، بينما الحقيقة أن
أي مجتمع يفقد حساسية الحياء والستر يدخل تدريجيا في مرحلة خطيرة من التفكك القيمي،
فالحياء لم يكن يوما عيبا، بل كان دائما أحد أعمدة الاحترام الاجتماعي والتوازن
الأسري، لقد ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في خلق ثقافة جديدة تقوم على الاستعراض
الدائم، حيث لم يعد الإنسان يعيش اللحظة من أجل نفسه أو أسرته، بل من أجل الجمهور
الافتراضي، حتى العيد الذي كان مناسبة للسكينة والرحمة تحول عند البعض إلى سباق
محموم نحو تصوير الملابس والطعام والنساء والأطفال ونشر كل شيء دون حدود أو وعي
بالعواقب.
كما أن هذه الموجة خلقت ضغطا نفسيا
واجتماعيا كبيرا، إذ أصبح كثير من الناس يشعرون بأن عليهم مشاركة حياتهم الخاصة
حتى لا يظهروا أقل من الآخرين، وهكذا يتحول التقليد الأعمى إلى وباء اجتماعي ينتشر
بسرعة ويجر المجتمع نحو مزيد من الانكشاف والتفاهة، في الماضي كانت المرأة
المغربية رمزا للحشمة والوقار، وكانت الألبسة التقليدية مثل الحايك والجلباب واللثام
والسلهام تحمل دلالات ثقافية وأخلاقية عميقة، وتعكس علاقة المجتمع بفكرة الستر
والاحترام، أما اليوم فقد أصبح كثير من الناس ينظرون إلى هذه الرموز وكأنها مجرد
بقايا من زمن قديم، رغم أنها كانت تعبر عن فلسفة اجتماعية كاملة قائمة على صون
الكرامة والخصوصية.
إن الدعوة إلى استعادة قيم الحشمة لا
تعني العودة إلى الوراء أو رفض العصر، بل تعني البحث عن التوازن المفقود بين
الانفتاح والاحترام، بين التكنولوجيا والأخلاق، بين الحرية والمسؤولية، فليس كل ما
يمكن تصويره يجب نشره، وليس كل ما يجلب المشاهدات يستحق أن يتحول إلى سلوك اجتماعي
عادي، كما أن تحويل النساء إلى وسيلة لجذب المتابعين والأرباح الرقمية يختزل
قيمتهن الإنسانية في الجسد والصورة، وهو أمر خطير ينعكس سلبا على العلاقات الأسرية
ونظرة الأجيال الجديدة للمرأة وللحياة الزوجية.
فالمرأة ليست أداة للترند، والأسرة
ليست مشروعا إعلانيا مفتوحا أمام الغرباء.
المؤلم أكثر أن بعض الأزواج باتوا
يتفاخرون بعرض تفاصيل حياتهم الخاصة بشكل صادم، حتى أصبحت الحدود بين الخاص والعام
شبه منعدمة، وهذا الانهيار التدريجي للخصوصية يهدد مفهوم الأسرة نفسه، لأن الأسرة
تقوم أساسا على الثقة والاحترام والستر لا على الاستعراض والفرجة، المجتمع المغربي
يعيش اليوم صراعا حقيقيا بين منظومة قيم قديمة قائمة على الحياء والوقار، ومنظومة
رقمية جديدة تدفع نحو الانكشاف والبحث المحموم عن الشهرة، وبين هذين العالمين تضيع
أحيانا معاني كثيرة كانت تمنح المجتمع توازنه واستقراره الأخلاقي.
ولا يمكن إنكار أن مواقع التواصل
الاجتماعي تحمل جوانب إيجابية كثيرة، لكنها تحولت أيضا إلى سلاح خطير حين تستعمل
بلا وعي أو ضوابط أخلاقية، فالحرية الرقمية لا تعني التخلي عن كل الحدود،
والانفتاح لا يعني بالضرورة تعرية الحياة الخاصة وتحويل الأسرة إلى محتوى يومي
معروض أمام الجميع، لقد أصبح ضروريا اليوم فتح نقاش مجتمعي عميق حول أثر هذه
المنصات على القيم والعلاقات الأسرية والتربية، لأن ما يحدث لم يعد مجرد تغير بسيط
في العادات، بل تحول ثقافي كامل يعيد تشكيل وعي الأجيال الجديدة ونظرتها للحياة
والخصوصية والكرامة، كما تتحمل الأسرة والمدرسة والإعلام مسؤولية كبيرة في مواجهة
هذا الانحدار، من خلال إعادة الاعتبار لقيم الاحترام والحياء والتربية الأخلاقية،
وتعليم الأطفال منذ الصغر أن قيمة الإنسان ليست في جسده ولا في عدد الإعجابات التي
يحصدها على الإنترنت.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو
أن يفقد تدريجيا القدرة على الشعور بالخطر الأخلاقي، وأن تصبح الممارسات الصادمة
أمورا عادية بفعل التكرار والاعتياد.
وعندما يتحول كشف الحياة الخاصة إلى
موضة جماعية، فإن المجتمع يكون قد دخل فعلا مرحلة مقلقة من التآكل القيمي، العيد
كان دائما مناسبة للفرح النظيف والتسامح وصلة الرحم، لا مناسبة لتحويل النساء
والعائلات إلى واجهات استعراضية على الشاشات، وكان الرجل يقاس بمروءته وكرامته
وحرصه على أسرته، لا بعدد المقاطع التي ينشرها ولا بحجم التفاعل الذي يحصده، اليوم
يحتاج المجتمع المغربي إلى وقفة صادقة مع النفس، وإلى مراجعة عميقة لمسار الانهيار
الأخلاقي الذي تتسارع مظاهره داخل الفضاء الرقمي، لأن الأوطان لا تبنى فقط
بالاقتصاد والبنايات والطرق، بل تبنى أيضا بالقيم والأخلاق والتربية والوعي
الجماعي.
ويبقى السؤال المؤلم معلقا في وجه
الجميع:
هل ما نعيشه اليوم هو فعلا تطور
وانفتاح، أم أننا أمام انهيار تدريجي لمعاني الحياء والغيرة والكرامة التي شكلت
لعقود طويلة روح المجتمع المغربي وهويته الثقافية والأخلاقية؟.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك