بقلم:محمد زاوي
في حوار أخير له، تحدث عبد النبي العيدودي، النائب البرلماني عن حزب الحركة الشعبية، بكثير من الاعتزاز عن جولاته المكوكية على دواوير تابعة لإقليمه بمنطقة الغرب.. تحدث أيضا عن القدرات التي يحتاجها النائب البرلماني أو رئيس الجماعة لخدمة منطقته، خاصة تلك المتعلقة بمهارات جلب المشاريع وتقريب الخدمات والبنيات من الساكنة.. وأنا بصدد الإنصات للعيدودي تساءلت على الفور: ما الذي يميز فئة من كوادر الحزب الشيوعي الصيني عن كوادر الحركة الشعبية؟ أليسوا جميعا، هؤلاء وأولئك، يخلّصون حياتهم لخدمة القرى والمناطق النائية بمنطق عمل القرب؟!
الشؤون الاجتماعية ليست شؤون أفراد، ليست متعلقة أساسا بمدى قدرة فرد على الانضباط والإخلاص في العمل. عندما تتوفر الشروط الاجتماعية-السياسية للتقدم في التاريخ، يجد إخلاص الفرد طريقا للاندراج في الحركية التقدمية لهذا التاريخ. أما عندما تغيب هذه الشروط، فإن "محترفي السياسة" يُتركون لشؤونهم ووعيهم الخاص. وانا أن نتصور قصور خبرة في قصور مجتمع، لنا أن نتوقع النتائج قبل تحققها. انا أيضا أن نتصور ذلك في ظل ارتباك المشهد الحزبي، وتبعية الاقتصاد، وتراجع الوعي السياسي، وازدواج الوعي النظري والممارسة العملية!
ليس الكادر في الحزب الشيوعي وليد صدفة، ليس حالة استثنائية قابلة بشكل كبير للعشوائية؛ بل هو جزء من خطة، نتاج تاريخ من التجربة والخبرة، تفعيل لقرار مركزي صارم يتيح فرص الاجتهاد وتحمل المسؤولية، يخدم الغاية بانضباطه في نسقها العام، بإتقان للمهمة التي أوكلت إليه باعتبارها تكتيكا في استراتيجية محكمَة بالأرقام والمؤشرات القابلية للمتابعة.. في واقع كهذا تصبِح المساءلة السياسية والقانونية متاحة من جهتين، من جهة التزام الكادر، ومن جهة مدى نجاعة الخطة العامة التي يتحرك فيها.
إن الكادر الحزبي في الصين، ذاك البالغ من العمر سبعة عقود أو أكثر، يقضي معظم عمره السياسي في قرية بعيدة تعيش ساكنتها على زراعة المانغو.. ليست مهمته في ذلك الحديث عن مهامه، ولا حتى شرح "الكتاب الأحمر" (ماو تسي تونغ) لساكنة القرية، ولا استقطاب أفرادها إلى الحزب الشيوعي الصيني.. تتركز كل مهامه السياسية والإدارية في تطوير زراعة المانغو، من إنتاجه إلى تسويقه وتصنيعه وضبط موارده لمصلحة الفلاحين الصغار والدولة معا..
بمثل هذا العمل الدؤوب والسديد سياسيا واجتماعيا، من قبل كوادر الحزب الشيوعي الصيني، تنتقل أسر ريفية عديدة من دائرة الفقر إلى دائرة العيش الكريم، وتمتلك الكثير من فئاتها وعيا اقتصاديا وسياسيا متقدما بالمشروع الصيني وبمدى الحاجة إلى حمايته وتحسينه.. وبفعل مجهودات الكادر الصيني، تشكل علاقة الفلاحين بالرأسمال دافعا لوعيهم بالمهام الاقتصادية والاجتماعية المنتظرة منهم. بذلك، ينتقل المشروع الصيني من مشروع حزبي إلى مشروع مجتمعي، بدل أن تحتكره فئة حزبية تكثر الكلام الإيديولوجي!
ربما يغلب على طباعنا النفسية والسلوكية الكلام، فيكثر بيننا المتكلمون لا أحد منهم -إلا استثناءات- يفكر في "العمل الممكن الملموس".. لكن الأمر قبل هذا وذاك لا يعدو أن يكون نتاج موقع تاريخي لم يحرِّر بعد قدراتنا الكاملة على الإنجاز. عملنا في البوادي، إنجازنا في البوادي، لا ينبغي أن يبقى حبيس "الروتوشات"، ولا حبيس البنيات التحتية الإنسانية من طرق وماء شروب وكهرباء الخ. صحيح أنها إنجازات كبيرة وضرورية، صحيح أنها مقدمات لإصلاحات قروية لاحقة، وهذه ينبغي أن تكون قيد المناقشة بين الأحزاب السياسية، ويجب أن تُدرَج تكتيكيا واستراتيجيا في البرامج الانتخابية والسياسية، كما يجب أن تصبح جزءا من ديناميتنا التاريخية.
هناك مسافة بين العيدودي وكوادر الحزب الشيوعي الصيني، هذه المسافة تاريخية لا فردية سلوكية من باب أولى.. يجب أن ننتقل من مساءلة الأفراد إلى مساءلة النماذج التاريخية، فذلك وحده السبيل لفتح نقاش سياسي جاد، لا ذلك النقاش الذي يبحث في سلوكيات الأفراد للدفع بطموحه ورهاناته الخاصة أو الإيديولوجية إلى الأمام.. وإذا كان "التراشق بالحجارة الإيديولوجية" واقعَنا الحالي، فحتما لن يكون بديلَنا الاستراتيجي.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك