الحيداوي يكتب:حين يتحول السجن إلى غابة

الحيداوي يكتب:حين يتحول السجن إلى غابة
مقالات رأي / السبت 07 مارس 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم:عبد الفتاح الحيداوي

عندما دخلت السجن في مطلع سنة 2006، لم أكن أدرك تماما ما الذي ينتظرني خلف تلك الأبواب الحديدية الثقيلة. كنت أتصور، مثل كثيرين غيري، أن السجن مؤسسة لها نظام واضح وقواعد محددة، وأنه قد يكون فضاءً يتيح للإنسان أن يراجع نفسه أو يعيد ترتيب مسار حياته إذا كان قد أخطأ. لكن حالتي كانت مختلفة؛ فملفي لم يكن ملفاً جنائياً عادياً، بل كان ملفاً سياسياً، وهو ما جعل تجربتي داخل السجن تحمل أبعاداً أخرى لم أكن أتوقعها.. لكن ما إن انغلقت الأبواب خلفي حتى بدأت أكتشف أن ما يوجد في الداخل شيء مختلف تماما عما يتخيله الناس في الخارج.

أول ما لفت انتباهي هو ذلك الشرخ العميق بين السجناء وإدارة السجن. كأننا في واد وهم في واد اخر. لم تكن هناك لغة مشتركة، ولا شعور بأن هناك مؤسسة تحاول أن تدير هذا المكان بما يخدم إصلاح الإنسان. كان كل ما يهم الإدارة هو كلمة واحدة تتكرر في كل شيء: الانضباط. لكنني مع الأيام فهمت أن الانضباط، في قاموس السجن، لا يعني احترام النظام بقدر ما يعني أن يبقى السجين صامتا، بلا مطالب، بلا رأي، وبلا محاولة لتغيير أي شيء.

كان على السجين أن يستيقظ كل صباح ويقبل بما يقدم له دون سؤال. كأس شاي أو قهوة لا طعم لهما، بالكاد يشبهان اسميهما. كنت أراقب ذلك المشهد وأقارن بينه وبين مشهد آخر داخل السجن نفسه: بعض أصحاب النفوذ أو من يملكون المال كانوا يهيئون لأنفسهم الشاي والقهوة كما ينبغي، بأدواتها وروائحها وطقوسها. في تلك اللحظات كان يتأكد لي أن السجن، مثل المجتمع خارجه، ليس مكانا واحدا للجميع.

مع مرور الأيام بدأت ألاحظ أمرا اخر أكثر إيلاما. لم يكن مسموحا لك أن تتدخل، حتى بكلمة نصح. أحيانا كنت أسمع من بعض السجناء ألفاظا جارحة، سبا لله سبحانه وتعالى أو كلاما فاحشا. كانت نفسي تضيق بذلك، وأفكر أن أنصح أو أذكر أو أعظ. لكنني سرعان ما فهمت أن مثل هذا السلوك غير مرغوب فيه. كأن الإدارة تفضل أن يبقى السجن غابة صاخبة على أن يتحول إلى فضاء فيه قدر من الوعي أو النظام الأخلاقي.

كنت أشعر أحيانا بأن الرسالة غير المعلنة هي: من دخل إلى هنا عليه أن يفهم أنه غير محمي. أنت وسط عالم قاس من أصحاب السوابق والقصص الثقيلة. وكأن المكان يقول لك: دبر أمرك بنفسك.

هذا الشعور جعلني أتساءل كثيرا: ما هو السجن في حقيقته؟ هل السجن هو الحارس ومفاتيحه فقط؟ هل هو الزنزانة الحديدية والجدران العالية؟ أم أن السجن كان يفترض أن يكون شيئا آخر تماما؟

لم أجد في تجربتي آنذاك أثرا لما يسمونه في الخارج برامج التأهيل أو الندوات التعليمية أو التكوين أو التربية. كنت أبحث عن أي نشاط يمكن أن يعطي معنى للوقت الطويل الذي يمر ببطء قاتل، لكنني لم أجد إلا فراغا كبيرا. الفراغ في السجن ليس أمرا بسيطا إنه بيئة تنمو فيها كل الأشياء السيئة.

مع الوقت بدأ يتكشف لي وجه آخر للسجن. الرشوة كانت حاضرة في تفاصيل كثيرة، والحشيش يجد طريقه إلى الداخل بطريقة أو بأخرى، وأشياء أخرى لا تقل سوءا. بدا المكان أحياناً كسوق خفية: بيع وشراء، علاقات نفوذ، وطرق متعددة للاغتناء داخل مكان يفترض أنه للإصلاح.

كنت أطرح على نفسي السؤال ذاته مرارا: هل هذا هو السجن فعلا؟ هل هذه هي المؤسسة التي يفترض أن تعيد الإنسان إلى المجتمع بشكل أفضل؟

ولم أكن وحدي في هذا التساؤل. كل من عرفتهم ممن عاشوا معي تلك التجربة كان يحمل في داخله الأسئلة نفسها. كنا نتبادل الحديث أحيانا بصوت خافت، وكأننا نحاول أن نفهم المنطق الذي يحكم هذا العالم المغلق. لكن الإجابات لم تكن تأتي.

كانت تلك الأسئلة تبقى معلقة في الهواء، حارقة وصامتة في الوقت نفسه. وربما كان أكثر ما يؤلم في تجربة السجن ليس فقط الجدران أو القيود، بل ذلك الإحساس العميق بأن المكان الذي يفترض أن يصلح الإنسان قد يتحول، في بعض الأحيان، إلى مكان يتركه وحيدا وسط الغابة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك