الوطن ليس ملكا لأصحاب النفوذ

الوطن ليس ملكا لأصحاب النفوذ
مقالات رأي / الخميس 17 شتنبر 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم:عبد الفتاح الحيداوي

ولدت في ألمانيا، لكن الغربة الحقيقية لم تكن يوما في المكان، بل في الإحساس بأن الإنسان يمكن أن يعيش خارج وطنه وهو داخل حدوده. منذ طفولتي لم أشعر بانتماء إلى الغرب، ولم أحلم يوما بالهجرة أو الرحيل، بل كان حلمي الوحيد أن يصبح هذا الوطن وطنا حقيقيا لجميع أبنائه وطنا يعيش فيه المواطنون كأسنان المشط، لا فضل فيه لصاحب نفوذ على صاحب حق، ولا تقاس فيه قيمة الإنسان بما يملك من علاقات أو امتيازات.

كبر هذا الحلم معي في كل مراحل حياتي. امنت بالإصلاح، وامنت أن الأوطان لا تبنى بالكراهية ولا بالانتقام، بل بالعدل والكرامة والصدق مع الناس. لذلك اخترت طريق النضال بالكلمة والموقف، رغم ما حمله ذلك من كلفة ثقيلة.

دخلت السجن، وهناك رأيت المغرب من زاوية أخرى؛ رأيت وجوها كثيرة لا تشبه الصورة التي تقدم في الخطب والشعارات. التقيت بأشخاص بسطاء، بعضهم أنهكهم الفقر، وبعضهم سحقتهم الأخطاء أو الظروف أو الأحكام القاسية. لكن أكثر ما صدمني أنني التقيت بأبرياء كثر، كانوا يؤمنون بالوطن بصدق، ويحبونه رغم كل شيء، لكنهم فقدوا الثقة في الأعيان وفي من حولوا النفوذ إلى وسيلة للهيمنة على مصير الناس.

داخل الزنازين تكتشف أن المشكلة ليست دائما في الوطن، بل في الذين يحتكرون صورته ويمنعون عنه روح العدالة. هناك من جعلوا السلطة امتيازا وليس مسؤولية، ومن حولوا السياسة إلى شبكة مصالح مغلقة، حتى صار كثير من المواطنين يشعرون أن أبواب التغيير الحقيقي موصدة، وأن العدالة تطبق بميزانين مختلفين.

ورغم ذلك، لم أفقد إيماني بالإصلاح. لأن الأوطان لا تختزل في النخب العابرة، ولا في لحظات الانكسار. الوطن الحقيقي يوجد في الناس البسطاء الذين ما زالوا يحلمون بالكرامة، وفي كل من يرفض الظلم دون أن يتحول إلى ظالم، وفي كل من يتمسك بالأمل رغم الخيبات المتراكمة.

لقد تعلمت من التجربة أن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس الفقر ولا القمع فقط، بل أن يفقد الناس ثقتهم في إمكانية العدل. حينها يتحول الوطن إلى مجرد أرض، وتتحول السياسة إلى صراع نفوذ لا مشروع مجتمع.

ومع ذلك، ما زلت أؤمن أن المغرب يستحق أفضل مما يعيشه اليوم، وأن هذا البلد الذي صبر كثيرا قادر على أن ينهض يوما حين تصبح الكرامة حقا للجميع، وليس امتيازا للبعض.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك