بقلم:ياسر اروين(إسبانيا)
لماذا كل هذا الضجيج الذي رافق دخول فوزي لقجع إلى العمل السياسي؟ ولماذا تحول انتقال رجل قضى سنوات طويلة داخل الإدارة والرياضة والمالية العمومية، من موقع المسؤول التقني إلى موقع الفاعل الحزبي، إلى قضية سياسية تتجاوز مجرد انتمائه إلى حزب الأصالة والمعاصرة؟
السؤال، في تقديري، لا يتعلق فقط بفوزي لقجع، وإنما يكشف شيئاً أعمق عن طبيعة المشهد السياسي المغربي نفسه، وعن الطريقة التي ينظر بها جزء من الطبقة السياسية إلى دخول شخصيات راكمت تجربة تنفيذية ومؤسساتية خارج المسار الحزبي التقليدي.
فمنذ الإعلان رسمياً عن التحاق لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة وعضويته في مكتبه السياسي، بدا واضحاً أن الرجل لم يدخل إلى الحياة الحزبية كوافد عادي.
فقد جاء إلى "البام" محملاً بمسار طويل في الإدارة والمالية العمومية، وبحضور رياضي وطني ودولي جعله واحداً من أكثر المسؤولين المغاربة حضوراً في السنوات الأخيرة.
والحزب نفسه، قدم انضمامه باعتباره استقطاباً لكفاءة جديدة إلى صفوف قيادته، وهنا تحديداً بدأت الأسئلة الحقيقية.
لماذا يُنظر إلى دخول لقجع للسياسة وكأنه حدث مقلق، في حين أن الأصل في الديمقراطية، أن يكون المجال السياسي مفتوحاً أمام كل من تتوفر فيه الرغبة والقدرة على تحمل المسؤولية العامة؟
فلقجع لم يأت من فراغ، الرجل اشتغل لعقود داخل الإدارة، وتولى مسؤوليات في مجال المالية العمومية، قبل أن يصبح وزيراً منتدباً مكلفاً بالميزانية منذ 2021، ويشارك في إعداد وتنفيذ قوانين المالية وتدبير عدد من الملفات ذات الطبيعة المالية والاستثمارية.
وما زال الموقع الرسمي لوزارة الاقتصاد والمالية، يوثق حضوره في ملفات مرتبطة بالميزانية والتمويل والاستثمار والإصلاحات المالية.
وفي الرياضة، بنى لقجع مساراً آخر لا يمكن تجاهله، فمنذ توليه رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم سنة 2014، ارتبط اسمه بمرحلة شهدت صعوداً لافتاً لكرة القدم المغربية، كان أبرز محطاتها بلوغ المنتخب المغربي نصف نهائي كأس العالم 2022، إضافة إلى الحضور القاري القوي للمغرب، والحصول على استضافة كأس العالم 2030 بشكل مشترك مع إسبانيا والبرتغال...وهذه الوقائع هي التي جعلت صورته العامة تتجاوز حدود المسؤول الإداري التقليدي.
لكن المفارقة، أن ما كان يُقدَّم في مرحلة سابقة باعتباره دليلاً على نجاح الرجل في تدبير الملفات، أصبح بعد دخوله السياسة سبباً لارتفاع منسوب الانتقاد ضده.
فبمجرد أن أصبح لقجع جزءاً من القيادة السياسية لـ"البام"، انتقل النقاش من سؤال:ماذا أنجز هذا الرجل؟ إلى سؤال آخر:لماذا دخل السياسة؟ ولماذا اختار هذا الحزب؟ وهل وراء الخطوة حسابات مستقبلية؟وهذا التحول في حد ذاته يستحق التوقف.
فالسياسي يُفترض أن يُحاسب على مواقفه وبرامجه وقراراته، وليس على مجرد دخوله المجال السياسي.
أما تحويل قرار الانخراط الحزبي إلى مادة للاتهام أو التشكيك، فيطرح سؤالاً أكبر حول قدرة الأحزاب المغربية على استقبال الكفاءات القادمة من خارج المسارات التنظيمية التقليدية.
بل إن الجدل الذي رافق التحاق لقجع، لم يكن محصوراً في المعارضة، وإنما وصل أيضاً إلى مكونات سياسية من الأغلبية.
فقد أثار انضمامه ردود فعل داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، بما يكشف أن دخوله إلى أن"لبام" لم يكن تفصيلاً تنظيمياً عادياً، وإنما أصبح جزءاً من التنافس السياسي قبيل انتخابات 23 شتنبر.
ومن وجهة نظري، هنا تكمن أهمية الظاهرة، فلقجع أدخل إلى السياسة سؤالاً ظل مؤجلاً في المغرب:هل تحتاج الأحزاب إلى المزيد من السياسيين التقليديين فقط، أم تحتاج أيضاً إلى مسؤولين راكموا تجربة تنفيذية حقيقية داخل مؤسسات الدولة؟
قد نختلف مع لقجع في مواقفه السياسية، وقد نختلف مع الحكومة التي كان جزءاً منها، وقد ننتقد بعض الاختيارات والقرارات التي ارتبطت بمرحلة تدبيره للميزانية، وهذا كله مشروع في النقاش الديمقراطي.
لكن، لا ينبغي أن يتحول الاختلاف السياسي إلى محاولة لإلغاء الرصيد المهني للرجل، أو التعامل مع دخوله إلى حزب سياسي باعتباره في حد ذاته مشكلة.
والأهم أن لقجع نفسه لم يعد خارج دائرة المساءلة السياسية، وهذه ربما هي النقطة التي يجب أن يتوقف عندها خصومه قبل مؤيديه.
حين اختار لقجع الدخول إلى المعارك السياسي، اختار في المقابل أن يتحمل ثمن الانتقال من منطقة المسؤول التقني إلى منطقة السياسي، حيث لم يعد بإمكانه أن يختبئ خلف حدود الوظيفة الإدارية عندما يتعلق الأمر بالاختيارات العامة، كما لم يعد ممكناً أن يُنظر إليه فقط باعتباره رجل أرقام وميزانيات.
فدخوله إلى السياسة يعني أنه قبل، من حيث المبدأ، أن يُناقش ويُنتقد ويُحاسب على مواقفه السياسية...لكن المحاسبة شيء، ومحاولة اختزال مساره كله في خصومة سياسية شيء آخر.
الرجل يوجد اليوم في قلب إعداد تصور اقتصادي ومالي لحزب الأصالة والمعاصرة، وهو أمر له دلالته، خصوصاً أن برنامج الحزب الانتخابي للسنوات 2027-2031 يتضمن التزامات مالية ضخمة تقدر بحوالي 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، وهو ما يجعل تجربة لقجع في المالية العمومية جزءاً مركزياً من النقاش حول قابلية تنفيذ البرنامج.
وهنا أعتقد، أن السياسة المغربية أمام فرصة حقيقية لفتح نقاش أكثر نضجاً:لا ينبغي أن نسأل فقط من ينتمي إلى أي حزب، بل ماذا يستطيع أن يقدم؟ ما هي خبرته؟ ما هي رؤيته؟ وما الذي يمكن محاسبته عليه؟
لقد ظل المغرب، لسنوات يعرف نقاشاً متواصلاً حول ضعف الثقة في الأحزاب، وحول المسافة بين الخطاب السياسي والنتائج. وعندما يظهر مسؤول يحمل تجربة تنفيذية طويلة ويقرر دخول الحياة الحزبية، فإن التعامل معه ينبغي أن يكون من خلال الأفكار والبرامج والنتائج، لا من خلال التخويف من شخصه.
أما الحديث عن كون لقجع يحظى بثقة داخل دوائر الدولة أو يمتلك شبكة واسعة من العلاقات المؤسساتية والسياسية، فهو جزء من الانطباع الذي رافق مساره العام، لكن لا ينبغي تحويل هذه الانطباعات إلى حقائق مطلقة.
ما يمكن قوله بثقة هو أن الرجل راكم، بحكم المسؤوليات التي تقلدها، شبكة واسعة من التعامل مع مؤسسات الدولة والفاعلين الاقتصاديين والرياضيين والسياسيين، وأن موقعه الحكومي والرياضي جعله حاضراً في ملفات تتطلب تنسيقاً مؤسساتياً واسعاً.
وهذا وحده كافٍ لفهم سبب تحول دخوله إلى السياسة إلى حدث يحظى بكل هذا الاهتمام، بل إن تجربته في الميزانية تكشف حجم الملفات التي أصبح طرفاً فيها.
ففي شتنبر 2026، أشرف مثلاً على توقيع اتفاقيتي تمويل مع البنك الإفريقي للتنمية لفائدة برنامج للتكوين المهني ومشروع لتطوير البنيات التحتية السككية، وقبل ذلك شارك في ملفات مرتبطة بإعادة الإعمار بعد زلزال الحوز وتمويل مشاريع استراتيجية.
إذن، نحن أمام رجل انتقل من تدبير ملفات تقنية إلى الاشتغال المباشر داخل المجال السياسي، وهذا الانتقال الطبيعي هو الذي ينبغي أن يفتح النقاش، لا أن يغلقه.
لقد اعتدنا في السياسة المغربية على وجوه بنت مسارها داخل الأحزاب، من الشبيبة إلى التنظيمات المحلية ثم القيادة الوطنية، لكن الديمقراطية لا تفرض نموذجاً واحداً للفاعل السياسي، حيث يمكن لشخص أن يأتي من الجامعة، أو النقابة، أو المجتمع المدني، أو الإدارة، أو الاقتصاد، أو الرياضة، ثم يقرر ممارسة السياسة.
المعيار في النهاية ليس من أين أتى، وإنما ماذا سيقدم عندما يصبح جزءاً من القرار السياسي.
ولذلك أرى أن السؤال الحقيقي الذي يطرحه دخول فوزي لقجع إلى "البام" ومعالم السياسة ليس: لماذا يخاف منه البعض؟ وإنما: لماذا لا نحول هذا الدخول إلى اختبار حقيقي للكفاءة السياسية؟
إذا كان لقجع يملك فعلاً الخبرة التي يتحدث عنها أنصاره، فإن السياسة ستمنحه المجال لإثباتها في ملفات أكثر تعقيداً من تدبير الميزانية أو كرة القدم. وإذا كان خصومه يرون أن صورته مبالغ فيها، فإن السياسة ستمنحهم أيضاً الفرصة لإثبات ذلك عبر نقد برامجه وأرقامه وقراراته.
أما الحكم المسبق، فلا يخدم أحداً، ففوزي لقجع دخل السياسة بإرادته، واختار حزباً بعينه، وأصبح عضواً في قيادته. ومن هذه اللحظة، أصبح من حق المغاربة أن يسألوه عن كل شيء، وأن يناقشوا أفكاره، وأن يحاسبوه على الوعود التي يشارك في تقديمها. وفي المقابل، من حقه أيضاً أن يُعامل كفاعل سياسي جديد، لا كمتهم لمجرد أنه اختار ممارسة حقه في العمل الحزبي.
وربما يكون هذا هو الدرس الأهم من قصة لقجع، المغرب لا يحتاج إلى المزيد من الخوف من الكفاءات عندما تدخل السياسة، بقدر ما يحتاج إلى وضع هذه الكفاءات أمام امتحان السياسة نفسها.
فالكفاءة الإدارية لا تكفي لصناعة سياسي ناجح، والنجاح الرياضي لا يمنح صاحبه شيكاً على بياض، والعلاقات المؤسساتية لا تعوض الشرعية الانتخابية. كل هذه عناصر يمكن أن تصنع رصيداً، لكنها لا تحسم وحدها المستقبل.
والحسم في النهاية يكون أمام المواطن، وأمام صناديق الاقتراع، وأمام النتائج.
ولذلك، فإن أفضل طريقة لاختبار فوزي لقجع ليست مهاجمته لأنه دخل السياسة، ولا تحويله إلى رجل فوق النقد، وإنما وضعه أمام السؤال الذي وضعه هو نفسه أمام المواطنين:ماذا تستطيع أن تفعل عندما تتحول من رجل يدبر الملفات إلى رجل يشارك في صناعة القرار السياسي؟هناك فقط سيبدأ الامتحان الحقيقي.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك