بقلم: فهد الباهي/م.إيطاليا
لكل بداية نهاية، ولكل ميلاد شهادة وفاة، ولكل شيء في هذا الكون
دورة تكتمل ثم تنطفئ، ولا يبقى إلا الله وحده الذي لا بداية له ولا نهاية له..هكذا
تتحرك سنن الكون، وهكذا تتبدل موازين القوى، دون استئذان من أحد أو انتظار لإرادة
بشرية مهما بلغت قوتها.
ليلة الأمس الثامن أبريل الجاري من السنة الجارية 2026، إلى
حدود الساعة الثالثة صباحاً بتوقيت مكة المكرمة، كانت أعصاب العالم مشدودة، وقلوب
المتابعين معلقة بين الخوف والترقب، لم يعد الاهتمام محصوراً في دوائر السياسة أو
المحللين، بل امتد إلى عامة الناس الذين باتوا يتابعون نشرات الأخبار كما يتابعون
أسعار الخضر في الأسواق، لأن سعر البصل والطماطم والبطاطس أصبح رهيناً بسعر برميل
النفط، والنفط أصبح رهين بممر مائي اسمه مضيق هرمز سيطرت عليه إيران وإنتزعته
لنفسها وحدها.
لم تعد الحرب خبراً بعيداً عن من يفضلون "يدخلو سوق
راسهم"، بل أصبحت خبزاً يومياً يقتات عليه العالم، لأن كل رصاصة في الشرق
الأوسط ترتد صداها في جيب المواطن البسيط في دول العالم الثالث التي لم تعد ليوم
كهذا، وكل توتر عسكري يترجم إلى غلاء في المعيشة، حتى صار من لا يفقه شيئاً في
الجغرافيا السياسية، أصبح يحفظ اسم هرمز كما يحفظ اسم حيه الشعبي، ويردده عشرات
المرات "فوقاش غيحلو هرمز".
منذ اندلاع المواجهة الثانية بعد العشرية، بين أمريكا وإسرائيل
من جهة، وإيران من جهة أخرى، دخل العالم مرحلة جديدة من التوتر، مرحلة كشفت هشاشة
التوازنات التي كانت تبدو صلبة لعقود، الاغتيالات، الضربات الجوية، واستهداف
القيادات، كلها لم تعد مجرد أحداث عابرة، بل تحولت إلى إشارات قوية على أن العالم
يعاد تشكيله على إيقاع النار والحديد.
وجد "دونالد ترامب" نفسه في قلب عاصفة لم يكن يتوقع
مداها، حرب لم تكن مجرد قرار سياسي، بل انزلاق نحو مواجهة مفتوحة تتداخل فيها
الحسابات الإقليمية والدولية،حيث كان يضن أنها ستكون حربا خاطفة يركع فيها الفرس
ويفرض شروطه، وفي المقابل، برز بنيامين نتنياهو كأحد مهندسي هذا التصعيد، مدفوعاً
بعقيدة توسعية لا تخفي أطماعها ولا تتردد في إشعال المنطقة لتحقيقها، المهم
"ترامب عفط على الصابونة" .
غير أن ما بدا صادماً هو دخول قوى كبرى على خط الصراع بشكل غير
مباشر، حيث ظهرت مؤشرات على دعم تقني واستخباراتي غير معلن من دب روسيا وتنين
الصين، أعاد رسم معادلات القوة على الأرض، لم تعد أمريكا اللاعب الوحيد، ولم تعد
السماء حكراً على طائراتها، بل أصبح المجال مفتوحاً لقوى أخرى تختبر قدراتها من
بعيد ولم تعلن حضورها وتم الضربات تحت الحزام بدون ضجيج.
إيران من جهتها أظهرت وجهاً مختلفاً، ليس فقط في قدرتها على
الرد، بل في دقة ضرباتها ورسائلها العسكرية داخل الأراضي المحتلة في تل أبيب وعدم إداء الأراضي التي يسكنها الفلسطينيون في القدس والجليل ويافا وطبرية إلخ، هذه الضربات المركزة والتي حملت طابعاً استراتيجياً يتجاوز
مجرد الانتقام إلى فرض معادلة ردع جديدة، آلاف الصواريخ لم تكن مجرد استعراض قوة،
بل إعلان صريح أن زمن الضرب دون رد قد انتهى...
ورغم ما يروج من انتصارات هنا وهناك، فإن الحقيقة أكثر تعقيداً،
فلا غالب في الحروب، ولا مهزوم بشكل مطلق، بل توازنات جديدة تُفرض بالقوة، وتُكتب
نتائجها في كواليس السياسة لا على شاشات الإعلام، المهلة التي أعلنها ترامب، وما
رافقها من إجراءات في مضيق هرمز قد إنتهت..، وهنا تعكس ارتباكاً أكثر مما تعكس
سيطرة، وتؤكد أن القرار لم يعد بيد واحدة، اليوم، إيران لا تكتفي بالدفاع، بل تسعى
لفرض شروطها، حتى في ممرات دولية كانت تُعتبر خارج سيطرة أي دولة بعينها.
فرض الرسوم
على السفن العابرة من معبر "هرمز" لم يعد مجرد احتمال، بل واقع، و ورقة
ضغط حقيقية تعيد تعريف مفهوم السيادة في عالم تتغير قواعده بسرعة.
أما صورة
أمريكا، التي كانت تُرسم في أذهان الشعوب كقوة لا تُقهر، فقد بدأت تتآكل، مثل تلك
الحكايات التي كانت تُروى للأطفال عن "الغولة" لتخويفهم، قبل أن يكبروا
ويكتشفوا أنها مجرد وهم، اليوم، كثير من الدول كبرت لم تعد تخاف
"الغولة" الأمريكية ، بل بدأت تعيد حساباتها وتفكر بمنطق مختلف، العالم
تغير، والدول التي كانت تعتمد على غيرها بدأت تدرك أن السيادة لا تُستورد، وأن
القوة لا تُستعار، وأن من لا يملك قراره لا يملك مستقبله، بناء القوة لم يعد
خياراً، بل ضرورة، سواء في العلم أو الصحة أو الاقتصاد أو الدفاع العسكري، لأن زمن
الاتكال قد ولى دون رجعة، "ما يحك ليك جلدك غير ظفرك" .
هذه الحرب
كشفت الكثير، وأسقطت أقنعة طالما روجت لأساطير التفوق المطلق، سواء في القبة
الحديدية التي تباهت بها إسرائيل سرعان ما إنهارات أمام الصواريخ العابرة، أو في
الطائرات F15 . F35 و التي قيل إنها شبح ولا
تُقهر، الواقع أثبت أن كل منظومة لها حدود، وأن كل قوة قابلة للاختبار والانكسار، الحرب
ليست نصراً لأحد، بل خسارة للجميع، مهما اختلفت الشعارات وتعددت الخطابات، الضحايا
ليسوا صناع القرار، بل الأبرياء الذين يدفعون الثمن، بينما يجلس القادة خلف
المكاتب يتبادلون التصريحات ويعلنون انتصارات وهمية.
أمريكا التي
نصبت نفسها طويلاً شرطي العالم، تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد، تتقاسم فيه
النفوذ مع قوى صاعدة لم تعد تقبل بالهيمنة الأحادية الجانب، الصين وروسيا وإيران
وكوريا الشمالية ليست مجرد أسماء، بل ملامح نظام عالمي تشكل بصمت، ويزحف بثبات نحو
الواجهة وما هي إلا أيام قليلة وتعلق اليافطة الجديد لشرطي العالم الجديد .
أما العالم العربي، فيقف مرة أخرى موقف المتفرج، ويستمر في البحث عن "حارس" خارجي، أما الإيمان بقدراته الذاتية وبناء قوته من الداخل يكاد يكون خارج حسباتهم، غير أن هذا الوعي، رغم ضرورته، لا يزال بعيد المنال، في ظل انقسامات عميقة ورهانات قصيرة النظر، المرحلة القادمة لا محالة لن ترحم المترددين، ولن تنتظر من يكتفي بالمشاهدة، العالم يُعاد تشكيله الآن، ومن لا يشارك في صياغة مستقبله، سيجد نفسه مجرد رقم في معادلة يكتبها الآخرون.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك