بقلم:ياسر اروين(إسبانيا)
تدخل المملكة المغربية، خلال الساعات الأخيرة التي تسبق انتخابات 23 شتنبر 2026 في أجواء سياسية مختلفة عن سابقاتها، ليس فقط لأن الناخبين يتوجهون إلى صناديق الاقتراع لاختيار مجلس نواب جديد، وإنما لأن الحكومة المقبلة ستجد نفسها أمام مرحلة وطنية تحمل ملفات ذات وزن استراتيجي كبير، ما يجعل شكل الأغلبية المقبلة وطبيعة التحالفات التي ستبنيها مسألة تتجاوز الحسابات العددية الضيقة داخل البرلمان.
وتفرض طبيعة المرحلة المقبلة، من وجهة نظرنا، التفكير في سيناريو حكومة وطنية موسعة، تضم أحزاباً متعددة تحصد نتائج وازنة في الانتخابات، سواء جاءت في مقدمة الترتيب أو شكلت جزءاً أساسياً من الخريطة البرلمانية الجديدة.
ولا يتعلق الأمر هنا بتشكيل ائتلاف انتخابي بالمعنى التقليدي فقط، وإنما بترجمة مرحلة سياسية واستراتيجية تحتاج إلى قدر أكبر من توسيع قاعدة المشاركة في تدبير الملفات الكبرى.
بالمقابل، تضع نتائج الانتخابات، مفتاح هذا السيناريو بين يدي الحزب الذي سيحتل المرتبة الأولى، باعتبار أن الدستور يجعل تعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب. ولذلك فإن معركة الصدارة ستظل مركزية في تحديد نقطة الانطلاق نحو تشكيل الأغلبية المقبلة، مع بقاء الحسم الفعلي مرتبطاً بما ستفرزه صناديق الاقتراع.
هذا، ويفترض التحليل السياسي الحالي احتمال بروز حزب الأصالة والمعاصرة أو حزب الاستقلال في مقدمة المشهد، ليس باعتبار أن النتيجة محسومة مسبقاً، وإنما بالنظر إلى حضورهما في المنافسة السياسية والبرامج التي يقدمانها خلال هذه الانتخابات.
وسيكون الفارق الحقيقي بعد إعلان النتائج مرتبطاً بحجم المقاعد التي سيحصل عليها كل حزب، وقدرته على بناء تحالفات برلمانية قابلة للاستمرار.
ويفتح هذا المعطى الباب أمام حكومة قد تكون أوسع من منطق الأغلبية الحكومية التقليدية، خصوصاً إذا أفرزت صناديق الاقتراع خريطة حزبية متعددة ومتقاربة نسبياً في أحجامها.
وفي مثل هذا السيناريو، يصبح إشراك عدد أكبر من القوى السياسية ذات النتائج الجيدة خياراً مطروحاً بقوة على مستوى الحسابات المؤسساتية، خصوصاً عندما تكون الملفات التي ستواجه الحكومة ذات طبيعة وطنية واستراتيجية.
ويرتبط العامل الأول الذي قد يؤثر في طبيعة المرحلة المقبلة بملف الصحراء المغربية، الذي دخل خلال سنة 2026 مرحلة جديدة على المستوى الأممي، بعد اعتماد مجلس الأمن القرار 2797، وما أعقبه من نقاش حول مسار التسوية السياسية ومقترح الحكم الذاتي المغربي. وقد قدمت الرباط القرار باعتباره تحولاً مهماً في مسار معالجة النزاع، بينما يبقى المسار الأممي نفسه الإطار الذي تجري داخله المفاوضات والاتصالات بين الأطراف.
وتجعل هذه التطورات ملف الصحراء واحداً من العوامل التي ستطبع المرحلة السياسية المقبلة، لأن أي تقدم إضافي داخل المسار الأممي ستكون له انعكاسات على الخطاب السياسي الوطني وعلى الأولويات الدبلوماسية والاقتصادية للمملكة.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن تجد الحكومة المقبلة نفسها أمام مرحلة مختلفة في تدبير هذا الملف، خصوصاً إذا انتقل المسار الدولي من إدارة النزاع إلى البحث عن تسوية سياسية نهائية ضمن الآليات الأممية.
لا يعني ذلك أن حسم الملف يمكن اعتباره نتيجة مضمونة داخل سنة 2026، لأن المسار الأممي لا يزال مرتبطاً بالمفاوضات ومواقف الأطراف وتطورات مجلس الأمن، لكن المؤشرات الدبلوماسية التي شهدتها المرحلة الأخيرة تجعل القضية مرشحة للاستمرار في احتلال موقع مركزي داخل أجندة الدولة خلال السنوات المقبلة.
وهنا تحديداً تظهر الحاجة، في تصورنا، إلى توسيع قاعدة التوافق السياسي حول القضايا الاستراتيجية الكبرى.
فيما يرتبط العامل الثاني بالاستحقاق العالمي الذي سيجد المغرب نفسه في قلبه ابتداءً من سنة 2030، بعدما اختير رسمياً إلى جانب إسبانيا والبرتغال لاستضافة كأس العالم، في بطولة ستعرف تنظيم 101 مباراة بين الدول الثلاث، مع إقامة ثلاث مباريات احتفالية بمناسبة الذكرى المئوية للمسابقة في الأرجنتين وباراغواي والأوروغواي.
ويفرض مونديال 2030 على الحكومة المقبلة التعامل مع ورش ضخم يتجاوز الجانب الرياضي، لأن التحضير للبطولة يرتبط بالبنيات التحتية والنقل والسياحة والاستثمار والتهيئة الحضرية والخدمات والأمن والرقمنة والترويج الدولي للمملكة.
وبالتالي، فإن الحكومة التي ستدبر السنوات السابقة للمونديال، ستكون مطالبة بالتنسيق بين عدد كبير من القطاعات والمؤسسات لتنفيذ التزامات مرتبطة بحدث عالمي.
يعزز هذا الورش، من وجهة نظرنا، فكرة الحكومة الوطنية الموسعة، لأن تدبير استحقاق بهذا الحجم يمكن أن يتحول إلى مشروع وطني تشارك فيه قوى سياسية متعددة، كل منها يساهم في تنفيذ جزء من البرنامج الحكومي، بدل أن يبقى ورش 2030 محصوراً في منطق الأغلبية والمعارضة.
في نفس السياق، يضيف ملف الملعب الذي سيحتضن المباراة النهائية بعداً آخر إلى هذه الدينامية، بعدما أعلن فوزي لقجع أن النهائي سيقام في ملعب الحسن الثاني ببنسليمان، في حين أكدت FIFA أن اختيار الملعب النهائي لم يُحسم رسمياً بعد، ما يعني أن الإعلان السياسي المغربي لا يساوي حتى الآن قراراً نهائياً صادراً عن المؤسسة الكروية الدولية.
ويكشف هذا التفصيل أيضاً حجم الرهانات المرتبطة بمونديال 2030، لأن المغرب لا يستعد فقط لاستضافة مباريات، وإنما يسعى إلى تحويل الحدث إلى منصة لتعزيز صورته الدولية وتسريع أوراش التنمية والبنية التحتية وجذب الاستثمارات.
وهو ما سيجعل الحكومة المقبلة أمام مسؤولية سياسية واقتصادية كبيرة في مرحلة ما قبل البطولة.
ويجمع العاملان، إذاً، بين ملف سيادي واستراتيجي يتعلق بالصحراء المغربية، وحدث عالمي يتعلق بمونديال 2030، وهما ملفان يتجاوزان عمر ولاية حكومية واحدة من حيث آثارهما وتداعياتهما.
ومن هنا تأتي، في تقديرنا، أهمية أن تكون الحكومة المقبلة قادرة على توفير أوسع قدر ممكن من الانسجام السياسي حول القضايا الكبرى، دون أن يعني ذلك بالضرورة إلغاء التنافس بين الأحزاب أو إضعاف وظيفة المعارضة.
يضع هذا السيناريو الأحزاب التي ستحتل المراتب الأولى أمام اختبار مختلف، لأن الفوز الانتخابي لن يكون سوى الخطوة الأولى في معركة تشكيل الحكومة. وستصبح القدرة على التفاوض وبناء التحالفات والاتفاق حول الأولويات الوطنية عاملاً حاسماً في تحديد شكل الأغلبية المقبلة، خصوصاً إذا جاءت النتائج موزعة بين عدة أحزاب ذات تمثيلية مهمة، وهو ما نراه من وجهة نظرنا الأقرب للتحقق.
ويفتح احتمال تصدر البام أو الاستقلال، في حال أكدته النتائج الفعلية، مسارين مختلفين من حيث قيادة المفاوضات الحكومية، لكنه لا يحسم وحده شكل الحكومة، لأن عدد المقاعد وتركيبة البرلمان وموازين القوى بين الأحزاب ستكون هي المحددات العملية لأي تحالف مقبل. ولذلك فإن السؤال الأهم بعد الانتخابات لن يكون فقط: من تصدر؟ بل أيضاً: من يستطيع بناء أغلبية سياسية مستقرة وقادرة على تدبير المرحلة؟
هنا بالضبط، نرى من خلال متابعتنا أن الحزبين معا سيشكلان حجر الزاوية في أي حكومة مقبلة عبر تحالفهما الاستراتيجي المنتصر.
وينقل هذا الأمر النقاش من منطق الحزب الفائز إلى منطق المشروع الحكومي، لأن المغرب سيدخل بعد انتخابات 2026 مرحلة تحتاج إلى الجمع بين الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية من جهة، والملفات الاستراتيجية الكبرى من جهة أخرى.
وسيكون التحدي أمام رئيس الحكومة المقبل، هو تحويل التحالف البرلماني إلى فريق حكومي قادر على اتخاذ القرارات وتنفيذها وليس مجرد تجميع حسابي للأحزاب.
يؤكد هذا السيناريو أن حكومة ما بعد انتخابات 2026، أياً كان الحزب الذي سيتصدر النتائج، ستعمل في بيئة مختلفة عن بداية الولاية السابقة، وستواجه ملفات مرتبطة بمكانة المغرب الدولية، وبالتحولات التي يعرفها ملف الصحراء، وبالاستعدادات المتسارعة لمونديال 2030، إلى جانب الانتظارات الاجتماعية والاقتصادية الداخلية.
وتضع هذه المعطيات المغرب أمام مرحلة يمكن أن يكون عنوانها الأبرز هو توسيع قاعدة التوافق السياسي حول المشاريع الوطنية الكبرى، مع استمرار التنافس الحزبي داخل المؤسسات.
أما ما إذا كانت الحكومة المقبلة ستأخذ فعلاً شكل حكومة وطنية موسعة، ومن سيقودها، وما هي الأحزاب التي ستشارك فيها، فذلك سيبقى رهيناً أولاً بنتائج صناديق الاقتراع ثم بالمفاوضات التي ستليها.
وتكشف الخلاصة أن انتخابات 2026 لا ينبغي أن تُقرأ فقط من زاوية من سيحصل على المرتبة الأولى، بل من زاوية ما ستنتجه من توازنات قادرة على مواكبة مرحلة تجمع بين التحولات التي يعرفها ملف الصحراء المغربية والاستعداد لتنظيم واحد من أكبر الأحداث الرياضية العالمية.
وفي هذا السياق، يبقى سيناريو الحكومة الموسعة احتمالاً تحليلياً قابلاً للنقاش، بينما سيظل الحكم النهائي للناخبين وللنتائج الرسمية التي ستفرزها انتخابات 23 شتنبر.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك