بقلم : نعيم بوسلهام
تضع التطورات الدبلوماسية الأخيرة المتصلة بالارتقاء
بالعلاقات المغربية الإسرائيلية إلى مستوى تبادل السفراء وتوسيع نطاق الاتفاقيات
الأمنية والاقتصادية، المشهد السياسي في المملكة أمام حالة بليغة من التباين
الهيكلي بين التوجه الرسمي ومقتضيات الضمير الجمعي. وفي هذا السياق، جاء البيان
الصادر عن السكرتارية الوطنية للجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع في 17
سبتمبر 2026، والمُرفق بدعوة للتظاهر الميداني أيام 25 و26 و27 من الشهر ذاته،
ليعيد رسم حدود المعادلة السياسية ويبرز مقومات الرفض المجتمعي لمسار المأسسة
والترسيم.
لا يمكن قراءة هذا البيان بوصفه مجرد رد فعل احتجاجي عابر، بل هو
تعبير عن الموقف المبدئي الذي تراكم عبر عقود في الوعي الجمعي المغربي. لقد اصطدم
الرهان على إعادة تشكيل الوعي السياسي للشارع من خلال مقاربات براغماتية تُعطي
الأولوية للمصالح الأحادية بصلابة الثقافة السياسية الشائعة، والتي ترى في القضية
الفلسطينية امتداداً حيوياً للسيادة الوطنية والواجب الأخلاقي.
وفي هذا الإطار، يُظهر الحراك الميداني المرتقب حدود المحاولات
الأيديولوجية والإعلامية التي سعت، عبر أطروحات هامشية تحاول تبرير التقارب مع
الكيان الصهيوني، إلى إحداث اختراق في البنية القيمية للمجتمع. وتبرهن المعطيات
السوسيولوجية والواقع الميداني عجز الخطاب التطبيعي عن إيجاد حاضنة شعبية حقيقية
خارج الدوائر الدبلوماسية الرسمية، حيث يلفظ الضمير الجمعي كل الأصوات النشاز التي
تحاول الانسلاخ عن الهوية والقيم المبدئية للأمة.
وتكمن المحورية التحليلية لبيان الجبهة في توقيته؛ إذ يأتي في وقت
تتفاقم فيه الانتهاكات الإسرائيلية وتتجاوز قواعد الاستقرار في غزة والأراضي
المحتلة. إن هذا التوقيت يضع الدبلوماسية أمام اختبار أخلاقي وسياسي، ليؤكد
الميدان أن القرارات المتصلة بالعلاقات الخارجية تفتقر إلى التوافق المجتمعي إذا
مسّت القضايا المبدئية، وليثبت في الوقت ذاته أن مساعي اختزال القضية الفلسطينية
في التبادلات التجارية أو الأمنية تفشل تماماً أمام مطالب العدالة والاستقلال.
إن الدعوة للنزول إلى الشارع أيام 25 و26 و27 سبتمبر تتجاوز كونها
مجرد تعبير عن الرفض، لتشكل محطة مفصلية في مسار التدافع بين الرؤية الرسمية
والموقف الشعبي المتمسك بالمبادئ القانونية والأخلاقية. وتظل هذه المحطة تأكيداً
ساطعاً على أن خيارات الشعوب وإرادتها المبدئية هي المعيار الأساسي لشرعية
التحالفات والتوازنات، وأن صوت الميدان الأصيل سيبقى هو الحاكم والفيصل في رسم
معالم العلاقة مع القضية الفلسطينية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك