بقلم : ذ . سمير بوزيد
مهتم بقضايا حماية المال العام والحكامة
والشفافية ومحاربة
الفساد الانتخابي .
لا يمكن الحديث عن حماية المال العام أثناء الاستحقاقات
الانتخابية دون طرح سؤال مباشر وجوهري: كيف نمنع تحول أدوات الدولة ووسائلها
الإدارية إلى موارد لخدمة أجندات انتخابية؟ إن المركبات الإدارية، والموظفين
العموميين، والمقرات الرسمية، والمنصات الرقمية الحكومية ليست ملكاً لأي مترشح أو
حزب، بل هي موارد عمومية حيوية يجب أن تظل على مسافة واحدة من الجميع، محصنة
بالحياد التام.
وفي هذا الإطار، تقدم النصوص المنظمة للوائح الانتخابية
العامة مؤشرات بالغة الأهمية على كيفية سعي المشرع لتحصين المسار الانتخابي من أي
استغلال؛ فالقانون رقم 57.11 يقر إلزامية القيد ويشترط الإقامة الفعلية، مع تحديد
حالات فقدان الأهلية بدقة. وبموازاة ذلك، أرسي قرار وزير الداخلية رقم 503.26
نظاماً معلوماتياً مركزياً لتلقي طلبات القيد ونقل القيد، وهو نظام لا يقف عند
حدود تسهيل الإجراءات، بل يشترط التثبت الرقمي الصارم من المعطيات، ويفرض على
السلطات الإدارية المحلية إجراء بحث أولي قبل عرض أي طلب على اللجنة الإدارية
المختصة.
إن هذه المساطر الدقيقة تسهم بشكل ملموس في تقليص هامش التدخل
العشوائي أو الانتقائي في الجداول الانتخابية، وتحد من إمكانية توظيف الإدارة
لتوجيه الوعاء الانتخابي لصالح جهة دون غيرها. وعندما حدد قرار وزير الداخلية رقم
690.26 آجالاً صارمة ومحددة لمراجعة اللوائح تمهيداً لانتخابات 23 سبتمبر 2026 (من
فتح باب الطلبات في 15 ماي إلى الحصر النهائي في 10 يوليوز)، فإنه وضع سياجاً
زمنياً منضبطاً يصعب معه إجراء أي تلاعبات في الأمتار الأخيرة.
ومع ذلك، فإن ضبط اللوائح — على أهميته — يظل خطوة أولى لا
تكفي وحدها؛ إذ يتخذ استغلال المال العام وأدوات الدولة أشكالاً ميدانية ورقمية
تتجاوز مرحلة التسجيل. وهنا يبرز الدور المحوري للترسانة القانونية الزجرية التي
تحمي الممتلكات والوسائل المملوكة للدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية،
وتفرض عقوبات لضمان حياد المرفق العام:
- حظر تسخير الوسائل العمومية: تمنع القوانين التنظيمية
الانتخابية بصفة صريحة تسخير المركبات والمقرات والوسائل المملوكة للدولة أو
الجماعات الترابية لفائدة أي حملة انتخابية.
- عقوبات زجرية للموظفين: تنص المادة 39 من القانون التنظيمي رقم
27.11 (كما تم تعديله) على عقوبة الحبس من ستة أشهر إلى سنة وغرامة من 50.000 إلى
100.000 درهم في حق كل موظف عمومي أو مأمور للإدارة أو الجماعات الترابية يقوم،
أثناء مزاولة عمله، بتوزيع منشورات أو برامج انتخابية أو استمالة الناخبين.
- الإطار الجنائي العام: يتكامل هذا المنع مع مقتضيات القانون
الجنائي، خاصة ما يتعلق بجرائم الغدر واستغلال النفوذ، التي يمكن أن تُطبق عند
توافر أركانها على حالات تسخير ممتلكات الإدارة أو الموظفين لأغراض خارجة عن
المصلحة العامة.
- واجب التحفظ والحياد: يفرض النظام الأساسي العام للوظيفة
العمومية التزاماً واضحاً بواجب التحفظ والحياد، ويمنع الموظف من استغلال صفته أو
وظيفته لخدمة توجهات حزبية أثناء القيام بمهامه.
وتتجلى خطورة هذا الاستغلال في صور متعددة؛ منها ما هو مادي
ملموس كاستخدام سيارات المصلحة في التعبئة والمواكب الانتخابية، أو استغلال مقرات
المؤسسات العمومية لعقد لقاءات غير معلنة. ومنها ما هو رقمي حديث، كتوظيف المنصات
وحسابات التواصل الاجتماعي الرسمية التابعة للقطاعات الوزارية أو الجماعات
الترابية لإبراز «منجزات» مسؤوليها الحاليين بشكل موجه عشية الاقتراع؛ وهو ما يعد
التفافاً على مبدأ تكافؤ الفرص وتوظيفاً غير مشروع لوسائل أُنشئت بمال المكلفين
بالضريبة.
وفي السياق ذاته، يسهم المجلس الأعلى للحسابات في حماية هذا
التوازن من خلال تدقيق الحسابات السنوية للأحزاب وفحص نفقات حملاتها الانتخابية
وإلزامها بإرجاع مبالغ الدعم غير المستحقة. غير أن هذا الدور يظل في معظمه لاحقاً
على الاقتراع، مما يبرز الحاجة إلى رقابة ميدانية فورية أثناء الحملة.
كما تمثل جمعيات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية، من خلال
آلية الملاحظة المستقلة والمحايدة للانتخابات، أداة مهمة للرصد الميداني والرقمي،
وتوثيق حالات استغلال آليات الدولة، ورفع التقارير والشكايات إلى السلطات
المختصة.
تأسيساً على ما سبق، فإن الحماية الحقيقية للمال العام تتطلب
الانتقال بعقوبات منع تسخير المركبات والموظفين من نصوص جامدة إلى ممارسة رقابية
ميدانية فورية ومستقلة، تقودها الأجهزة الرقابية والقضائية طيلة أسابيع الحملة
الانتخابية. فاللوائح الانتخابية وضبطها مدخل تنظيمي مهم، لكن الغاية الأسمى تكمن
في تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، لكي تخرج مؤسسات الدولة ومواردها من كل
استحقاق انتخابي كما دخلته: محايدة، مصونة، وفي خدمة المصلحة العامة دون سواها.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك