المغرب عشية 23 شتنبر: بين أزمة الثقة وأسئلة المرحلة

المغرب عشية 23 شتنبر: بين أزمة الثقة وأسئلة المرحلة
مقالات رأي / الجمعة 18 شتنبر 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم محمد أحواش – ناشط إعلامي / متتبع

يدخل المغرب انتخابات 23 شتنبر 2026 في ظرف يبدو أكثر تعقيداً من مجرد منافسة انتخابية بين الأحزاب. فإلى جانب الصراع المعتاد حول الترشيحات والمقاعد والبرامج، تبدو أسئلة الثقة والعزوف السياسي حاضرة في النقاش العام، خصوصاً لدى فئات من الشباب، بينما تفرض ملفات خارجية مثل سبتة ومليلية والعلاقات مع إسبانيا والجزائر وملف الصحراء نفسها على النقاش الوطني.

وقد حُدد يوم 23 شتنبر موعداً لانتخاب أعضاء مجلس النواب، فيما تمتد الحملة الانتخابية إلى ليلة 22 شتنبر.

بين صراع الأحزاب وأزمة الثقة

المشهد الانتخابي يحمل، كما في كل استحقاق، تنافساً حاداً بين الأحزاب والمرشحين. وتظهر أحياناً اتهامات وردود متبادلة، فيما يركز جزء من الخطاب السياسي على المسؤوليات والمواقع والنتائج السابقة.

غير أن المواطن العادي ينظر إلى الانتخابات من زاوية مختلفة.

هو يريد أن يعرف ماذا سيحدث للصحة والتعليم والشغل والقدرة الشرائية والإدارة والخدمات العمومية. ولذلك فإن استمرار العزوف، إذا تأكد بعد الاقتراع، سيكون من المفيد قراءته لا باعتباره مجرد عدم اهتمام بالسياسة، وإنما أيضاً باعتباره مؤشراً محتملاً على حجم المسافة بين الخطاب السياسي وانتظارات قطاعات من المجتمع.

ولا يتعلق الأمر بالشباب وحدهم. فالإحساس بأن الانتخابات لا تغير بما يكفي من الواقع اليومي يمكن أن يؤدي، مع مرور الوقت، إلى تراجع الحماس للمشاركة السياسية.

وهنا تواجه الأحزاب تحدياً حقيقياً: كيف تقنع المواطن بأن صوته يمكن أن يصنع فرقاً؟

المتقاعدون وغلاء المعيشة... صوت لا ينبغي أن يغيب

ومن بين الفئات التي تستحق أن تحضر بقوة في النقاش الانتخابي أيضاً المتقاعدون، وخصوصاً المتقاعدون المدنيون الذين يجد بعضهم نفسه أمام دخل ثابت لا يواكب بالضرورة الارتفاع المتواصل في تكاليف الحياة.

فالمتقاعد الذي أفنى سنوات من عمره في العمل لا ينظر إلى السياسة من زاوية الشعارات، بل من زاوية قدرته على تدبير حياته اليومية: السكن، الغذاء، فواتير الماء والكهرباء، النقل، ومتطلبات العلاج والأدوية.

ومع ارتفاع كلفة المعيشة، تصبح مسألة القدرة الشرائية أكثر إلحاحاً، ليس بالنسبة إلى المتقاعدين وحدهم، وإنما بالنسبة إلى شرائح واسعة من الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل.

وهنا يبرز سؤال اجتماعي لا يقل أهمية عن باقي الأسئلة المطروحة في هذه المرحلة: هل تأخذ السياسات العمومية بعين الاعتبار واقع من يعيشون على دخل ثابت، خصوصاً عندما ترتفع الأسعار بينما تظل المداخيل محدودة؟

المتقاعدون ليسوا مجرد أرقام في صناديق الاقتراع، بل مواطنون ساهموا لسنوات في بناء الإدارة والمرافق والمؤسسات، ومن الطبيعي أن ينتظروا سياسات تحفظ لهم الحد الأدنى من الكرامة والاستقرار.

كما أن معالجة غلاء المعيشة لا يمكن اختزالها في إجراءات ظرفية، لأن تأثير الأسعار يختلف من أسرة إلى أخرى ومن فئة اجتماعية إلى أخرى. ولذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى نقاش أكثر وضوحاً حول القدرة الشرائية، والأجور والمعاشات، والخدمات الاجتماعية، وتكاليف الصحة والسكن والنقل.

فحين يصبح المواطن مشغولاً بكيفية تدبير آخر الشهر، يصبح من الصعب إقناعه بأن الصراع السياسي حول المناصب والتحالفات هو أهم ما ينبغي أن يشغله.

بنكيران والعدالة والتنمية... عودة إلى النقاش

تعود شخصية عبد الإله بنكيران وحزب العدالة والتنمية إلى النقاش الانتخابي بقوة، من خلال خطاب ينتقد الحكومة والسياسات المعتمدة خلال السنوات الماضية.

وقد يرى البعض في هذه العودة محاولة لاستثمار حالة الاستياء الموجودة لدى جزء من الناخبين، بينما قد يراها آخرون عودة طبيعية لحزب يسعى إلى استعادة حضوره السياسي.

وفي الحالتين، يبقى الحكم النهائي بيد الناخبين وصناديق الاقتراع.

كما ينبغي التمييز بين حزب العدالة والتنمية وجماعة العدل والإحسان. فهما كيانان مختلفان، وأي حديث عن تحالف بينهما يحتاج إلى معطيات واضحة، ولا يكفي فيه وجود تقاطع في بعض المواقف أو الخطابات.

المشكلة ليست في التنافس... بل في مضمون التنافس

ليس من العيب أن تتنافس الأحزاب على السلطة. فهذا جوهر العملية السياسية.

لكن السؤال هو: على ماذا تتنافس؟

إذا كان التنافس يدور أساساً حول المواقع والمقاعد والاتهامات المتبادلة، فقد يجد المواطن نفسه بعيداً عن المشهد.

أما إذا كان حول كيفية إصلاح المدرسة والمستشفى وسوق الشغل والإدارة والعدالة الاجتماعية والقدرة الشرائية، فإن السياسة تستعيد معناها الطبيعي.

المواطن لا يحتاج بالضرورة إلى خطابات أكثر، وإنما إلى برامج أكثر وضوحاً، ووعود يمكن قياسها، ومسؤولين يمكن مساءلتهم عن النتائج.

في الخارج... ملفات لا تنتظر الانتخابات

بينما ينشغل الداخل بالحملة الانتخابية، تستمر تطورات خارجية تستحق المتابعة.

ملف سبتة ومليلية، مثلاً، يحظى بحضور متزايد في النقاش الإسباني والأوروبي، خصوصاً في ظل حساسية قضايا الحدود والهجرة والعلاقات مع المغرب.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن هناك تحولاً أوروبياً موحداً تجاه المغرب، لكن انتقال بعض القضايا الثنائية إلى فضاء النقاش الأوروبي يجعل من المفيد بالنسبة للمغرب أن يتابع هذه التطورات عن قرب وأن يشرح للرأي العام خلفياتها وتداعياتها المحتملة.

فالهدوء الدبلوماسي قد يكون خياراً مفهوماً، لكن التواصل العمومي يظل مهماً حتى لا يصبح الفراغ المعلوماتي مجالاً واسعاً للتأويل.

مشروع تجنيس السحراويين في إسبانيا... سؤال يحتاج إلى هدوء

ومن التطورات التي تستحق الانتباه مشروع القانون الإسباني المتعلق بمنح الجنسية للسحراويين المولودين في الصحراء خلال فترة الإدارة الإسبانية.

مجلس النواب الإسباني أقر المشروع في 10 شتنبر 2026 بأغلبية 168 صوتاً مقابل 31 و145 امتناعاً، ثم أُحيل إلى مجلس الشيوخ لمواصلة المسار التشريعي. وينص المشروع، من بين أمور أخرى، على إمكانية منح الجنسية الإسبانية عن طريق «الجنسية بقرار خاص» للسحراويين المولودين في الصحراء قبل 29 شتنبر 1977، حتى في حال عدم إقامتهم القانونية في إسبانيا، كما يقترح تخفيض مدة الإقامة المطلوبة للحصول على الجنسية إلى سنتين بالنسبة للسحراويين.

ومن الناحية القانونية، نحن إذن أمام مشروع قانون ما زال قيد المسطرة التشريعية، وليس أمام قانون نافذ يمكن الحديث عن نتائجه وكأنها أصبحت أمراً واقعاً.

لكن سياسياً، يطرح المشروع أسئلة تستحق النقاش.

فهو يأتي في وقت حساس في العلاقات المغربية الإسبانية، وفي ظل استمرار النقاش حول مستقبل الصحراء، وفي وقت تشهد فيه ملفات سبتة ومليلية والهجرة والعلاقات مع أوروبا اهتماماً متزايداً.

قد يرى مؤيدو المشروع أنه محاولة لمعالجة وضعية تاريخية مرتبطة بالسكان الذين ولدوا خلال فترة الإدارة الإسبانية للصحراء، وهو ما تبرره المذكرة التمهيدية للنص الإسباني نفسها باعتبارات تاريخية وقانونية.

وقد يرى منتقدوه أن توقيته قد يمنحه أبعاداً سياسية تتجاوز الجانب القانوني.

وبين الرأيين، من الأفضل عدم القفز إلى استنتاجات نهائية قبل معرفة مآل المشروع وتطبيقاته.

أما القول إن المستفيدين منه سيكونون «إسباناً من الدرجة الثانية»، فيحتاج بدوره إلى قدر من الحذر؛ فهذا التعبير لا يمثل تصنيفاً قانونياً وارداً في النص. لكن يمكن طرح سؤال مشروع حول الآثار السياسية والاجتماعية المحتملة لهذه الخطوة، وحول ما إذا كان منح الجنسية سيظل في حدود تسوية وضعية قانونية أم ستكون له انعكاسات أوسع على النقاش المرتبط بالصحراء.

وهنا تبرز نقطة أساسية:

الجنسية ليست سيادة، ومنح الجنسية لا يعني بحد ذاته تغيير الوضع القانوني الدولي للإقليم.

لكن إعادة فتح ملف تاريخي بهذه الحساسية تجعل من المشروع أن تتابعه الرباط وأن تقدم للرأي العام قراءتها القانونية والسياسية بهدوء.

والسؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحاً هو: لماذا يُطرح هذا المشروع في هذا التوقيت، وما الذي يمكن أن يترتب عليه مستقبلاً؟

الصحراء والجزائر... الحذر من المبالغة

أما قضية الصحراء، فمن الأفضل التعامل معها بعيداً عن لغة الحسم النهائي أو الهزيمة النهائية.

المسار الأممي لا يزال قائماً، والمواقف المغربية والجزائرية لا تزال متباعدة، فيما يستمر المغرب في الدفاع عن مقترح الحكم الذاتي وتواصل الجزائر الدفاع عن موقفها.

وفي مثل هذه القضايا، ربما يكون من المفيد الابتعاد عن الخطاب الذي يوحي بأن كل تطور يمثل انتصاراً نهائياً أو خسارة نهائية.

الملفات الدولية طويلة ومعقدة، وتتحرك عبر الدبلوماسية والتحالفات والمفاوضات والمصالح الاقتصادية والسياسية.

غزة... والقضايا الوطنية

أما في الداخل، فقد أظهر الشارع المغربي اهتماماً كبيراً بالقضية الفلسطينية وبالأحداث في غزة.

وهذا الاهتمام لا يتعارض مع الاهتمام بالقضايا الوطنية.

يمكن للمغربي أن يتضامن مع الفلسطينيين، وفي الوقت نفسه أن يهتم بسبتة ومليلية والصحراء والعلاقات مع الجوار.

المطلوب ليس المفاضلة بين القضايا، وإنما بناء وعي قادر على التعامل مع الملفات المختلفة وفق طبيعة كل واحد منها.

الجبهة الداخلية تبدأ بالإنصاف

ربما يكون هذا هو الدرس الأهم في المرحلة الحالية.

فالمغرب، أياً كانت التطورات الخارجية، يحتاج إلى جبهة داخلية متماسكة.

لكن الجبهة الداخلية لا تُبنى فقط بالخطاب الوطني، وإنما بالثقة.

والثقة تحتاج إلى مدرسة جيدة، ومستشفى يحفظ كرامة المريض، وفرص شغل، وإدارة أكثر فعالية، وعدالة اجتماعية يشعر معها المواطن أن الدولة موجودة إلى جانبه.

وتحتاج أيضاً إلى أن يشعر المتقاعد والعامل والشاب والأسرة محدودة الدخل بأن كرامتهم وقدرتهم على العيش الكريم ليست قضايا ثانوية في السياسات العمومية.

ومن هنا فإن الإصلاح الداخلي ليس قضية منفصلة عن السياسة الخارجية.

الدولة التي تحظى بثقة مواطنيها تكون أكثر قدرة على مواجهة الضغوط الخارجية، والمواطن الذي يشعر بالإنصاف يكون أكثر ارتباطاً بمؤسسات بلده وأكثر استعداداً للدفاع عن مصالحه.

ما بعد 23 شتنبر

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك