بقلم:العلمي الحروني/رئيس تيار اليسار الجديد المتجدد
يقال، وبكل بساطة، إن المغرب "أجبر" على التطبيع، وإنه لولاه لاندلعت الحرب. جملة واحدة، لكنها تختصر بنية خطاب كامل. وهي جملة تستحق التوقف عندها لأنها صادمة وتهدم المواقف التي يفترض أنها تدافع عنها. ليس السؤال المطروح هنا هل كان التطبيع صوابا أم خطأ، وإنما بأي منطق يبرر؟ ذلك أن ما يقال في شأن تبريره أخطر مما يقال في وصفه. إذ حين يصبح الاكراه والضرورة المزعومان مبررين كافيين، وحين يستدعى نقاش الهوية ليحل محل نقاش السلطة والثروة، يصبح، إذاك، ما يؤسس كتفسير لما مضى، تبريرا مفتوحا لما هو آت.
فهل تطبيع المغرب، حقا، مع الكيان الص_ هيوني فرض عليه لتجنب الحرب؟ سؤال يستلزم تحليلا.
فمن جهة، حجة الإكراه تتناقض و ادعاء حماية السيادة. فالخطاب الرسمي يقدم التطبيع كقرار سيادي اتخذته الدولة من موقع قوة، وفي إطار حساب مصالح. أما القول بأننا "أُجبرنا"، فهو إقرار صريح أن القرار اتخذ تحت ضغط لا نعلمه.
فإما أن يكون التطبيع قرارا سياديا، فيناقش على هذا الأساس وبمعايير الجدوى والمقابل، ويتحمل أصحابه مسؤوليتهم كاملة. وإما أن يكون إكراها، فتكون السيادة الوطنية نفسها، حينها، هي موضوع النقاش وليس التطبيع عينه.
فالاثنان لا يجتمعان، والباحث عن تفسير التطبيع بالجمع بين الاثنين سيبدو للرأي العام وكأنه يبحث عن مخرج أخلاقي من موقف سياسي.
ثم، فالقول "لولا التطبيع لكانت الحرب" حجة تنتمي إلى صنف من الأقوال لا يمكن إثباتها ولا نفيها، إذ هي تقارن ما وقع بما لم يقع، وتتطلب منا التسليم بنتيجة سيناريو غير واقعي.
وتكمن خطورة ذلك في أنها قابلة للتعميم. كتعميم القول إن كل تنازل يمكن تبريره بكارثة افتراضية جرى تفاديها. وفق هذا المنطق، لا يوجد سقف لما يمكن التفريط فيه غدا. وهنا مكمن الخطر، لأن الامر سيتجاوز تفسير لما مضى الى التمهيد لتبرير ما هو آت.
هكذا، سيتم الانتقال من الافتراضي إلى الملموس. فإذا كان التطبيع قد جنبنا حربا، فليخبرنا أصحاب هذا القول/الرأي عن حصيلته الملموسة، بلغة الوقائع لا بلغة التفسير بالتخويف: ما الذي تغير في قضية وحدتنا الترابية بما يوازي حجم التنازل؟ وما وضع سبتة ومليلية المحتلتين، وقد رأينا مؤخرا كيف يتحول يأس شبابنا إلى هجرة جماعية نحوهما، أمام صمت بل وتواطؤ من يفترض أنهم شركاء وحلفاء؟ وما الذي كسبه المواطن المغربي في قدرته الشرائية وشغله وكرامته اليومية من هذا "الإنجاز الدبلوماسي" الذي تلته " تطورات كبرى"؟
فتحت شعار الواقعية وبذريعة البراغماتية، وضع بلدنا في مرمى حسابات قوى مفرطة النفوذ يصعب الخروج من هذه المعادلة أقوى مما دخل اليها. وان خرج، سيخرج ورقة في ملعب غيره.
من جانب آخر، و موازاة مع ما سبق، يتم استدعاء الهوية لتغطية العجز السياسي المزمن، بحيث يتم أيضا استدعاء خطاب رسمي هوياتي وتقديمه، مزيفا وتضليليا، مثل مفهوم "تمغربيت" المروجة للاستعمال الوظيفي اليوم بوصفها وعاء فضفاضا يستوعب "روافد متعددة" على قدم المساواة، فيتحول الأساس الأمازيغي ـ وهو القاعدة التاريخية والقاسم المشترك بين المغاربة ـ إلى مجرد رافد بين روافد بهدف التذويب والإختزال للهوية في مفردة مبتدعة تردد في الخطاب الرسمي وشبه الرسمي لتؤدي وظيفة ابتلاع الهوية المغربية وإشغال الناس عن نقاش السلطة والثروة. أما الاعتراف الحقيقي فيمر عبر السياسات العمومية، عبر اللغة في المدرسة والإدارة والقضاء والإعلام والحياة العامة، وعبر التنمية في المناطق المهمشة كالريف والحوز والأطاليس والصحراء الغربية المغربية.
ولا يكفي هنا أن ينتقد مفهوم "تمغربيت"، بل يجب أن ينظر إلى الزاوية التي ينتقد منها. فحين يختزل الاعتراض على المفهوم في كونه بابا لإدخال "الرافد العبري"، يكون المعترض قد قبل مسبقا بالإطار نفسه والمغزى منه، أي بتصور الهوية كمجموع روافد تضاف وتحذف، ولم يختلف إلا في لائحة المقبولين داخلها. وهذا اعتراض على العضوية لا على البنية.
أما جوهر الإشكال فهو أن هذا المفهوم لم يصغ أساسا لإدماج هذا الرافد أو ذاك، بل صيغ لطمس الخصوصيات وامتصاص التناقضات الداخلية ومن هنا يُفهم أيضا ما يروج، تلميحا لا تصريحا، من "تصهين" للحركة الأمازيغية أو شيطنتها. فتؤخذ مواقف أفراد معدودين، أو خرجات هامشية، لتُعمم على مسار نضالي بأكمله، فيصير الدفاع عن الأمازيغية تهمة تحتاج إلى تبرئة، لا حقا يناقش في السياسات العمومية.
ليست الحركة الأمازيغية الديمقراطية من أبرمت التطبيع، ومنطق نقل النقاش من مركز القرار إلى مكون مجتمعي أعزل هو، في وظيفته، امتداد للمنطق نفسه الذي ننتقده. ومن أراد أن يحاسب، فليحاسب مواقف معلنة بأسمائها وأصحابها وبصفاتهم، لا أن يصادر مسارا كاملا بشبهة معممة.
فـ " التمغريبيت" ابتدعت أساسا لتذويب الأساس الأمازيغي (le socle) للهوية المغربية - القاعدة التاريخية والقاسم المشترك بين المغاربة، لا "أحد المكونات" - في قالب فضفاض تتساوى فيه القاعدة بما بني عليها. ذلك لأن وضع الأصل والفرع/الروافد على قدم المساواة في قالب واحد لا ينتج ذلك تعددا بل تسوية قسرية تفرغ الأصل من موقعه ومكانته. في هذا السياق، يرى مهتمون أن الهدف من هذه العملية قد تكون " وسيلة من أجل امتصاصِ التناقضات الاجتماعية الداخلية بإعادة صياغة الكثير من الحقائق بعبارات لا تلغي الواقع، ولكنها تجنب الذهْنَ التّفكيرَ في بشاعَته. إِنَّها قَادِرة على تَقدِيم غطَاء إيْديولوجيٍّ يُبْدِل تسمْياتٍ وأوْصَافاً بِأخْرى أقلّ قسوةً." حسب رأي المفكر المغربي اليساري المتخصص في السيميائيات د. سعيد بنكراد.
ولهذا فإن نقد بعض الأصوات المغمورة المحسوبة على التيار القومي العروبي لـ"تمغربيت"، وإن تقاطع معنا في رفض المفهوم، فإنه ينطلق من مقدمة معاكسة لمقدمتنا: هو يرفضه لأنه يراه تفكيكا لانتماء المغرب إلى محيطه المشرقي، ونحن نرفضه لأنه يذيب أساس المغرب في ذاته. والنقدان لا يلتقيان إلا في النتيجة، ويفترقان في كل ما عداها. ليس الالتباس بينهما تفصيلا، لأن من ينتقد المفهوم دفاعا عن مركزية ثقافية أخرى إنما يستبدل وصاية بوصاية، ويعيد إنتاج المشكل ذاته بمفردات مختلفة.
ومن هنا يفهم أيضا ما يروج، تلميحا حينا و تصريحا في أحايين أخرى، من "تصهين" للحركة الأمازيغية بغرض شيطنتها. فتؤخذ مواقف أفراد معدودين، أو خرجات هامشية، لتعمم على مسار نضالي بأكمله، فيصير الدفاع عن الأمازيغية تهمة تحتاج إلى تبرئة، لا حقا يناقش في السياسات العمومية.
ليست الحركة الأمازيغية الديمقراطية من أبرمت التطبيع، فنقل النقاش من مركز القرار إلى مكون مجتمعي أعزل من القرار هو، في وظيفته، امتداد للمنطق نفسه الذي ننتقده: إشغال الناس عن السلطة والثروة.
ويبقى المعيار في الحالتين واحدا: لا تقاس الهوية بما يقال عنها في الخطب (تمغريبيت) أو بما ينظر إليه إقحاما للرافد العبري في الدستور، بل بالسياسات العمومية بالعدالة اللغوية في المدرسة والإدارة والقضاء والإعلام، وبالعدالة التنموية في كل ربوع البلاد.
من زاوية أخرى، وقياسا على تشظي مفهوم الهوية في الوثيقة الدستورية، ينص الفصل الأول منه على أن نظام الحكم بالمغرب "نظام ملكية دستورية، ديمقراطية، برلمانية واجتماعية"، فإن هذه الوثيقة شاهدة على المسافة بين التشريع والواقع. ذلك ما فسره بإسهاب أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية محمد المدني في محاضرة له بعنوان "الدستور والممارسة السياسية في المغرب" مبرزا الطابع الشكلاني والموسوعي للدستور والتمييز بين "الدستور في الكتب" و"الدستور في الواقع" ما أدى الى قواعد دستورية نابعة من عوالم قانونية مختلفة متداخلة في ما بينها لتنتج مركبا دستوريا توفيقيا تداخلت فيه تصورات ومعتقدات للقانون وللسلطة متنافرة فيما بينها".
وبالفعل، لنا أن نقيس المسافة بين النص والممارسة. فأين الطابع البرلماني حين تتخذ القرارات المصيرية، والتطبيع في عمقها، خارج المؤسسة المنتخبة، ثم يطلب بعدها من الجميع التصفيق؟ وأين الطابع الاجتماعي في بلد يهاجر شبابه بحثا عن أفق رحب؟
فالتصريح نفسه يقدم لنا الجواب: قرار بهذا الحجم اتخذ، ثم قيل لنا لاحقا إننا كنا مجبرين عليه.
وأخيرا، نقدنا لا يتوجه إلى شخص، بل إلى منطق. منطق يقوم على تحويل الإكراه والإفتراضي والهوية بالتوالي إلى فضيلة وحجة وغطاء.
وما يدعو إلى القلق أكثر هو أن يصدر هذا الكلام عن أصوات ينتظر منها أن تكون في خندق موقع النقد لا في موقع التبرير. فبتبني بعض قيادات قوى اليسار لغة الأمر الواقع، تخسر معنى وجودها ذاته.
وآخرا، وجب دائما، استحضار إرث اليسار، وعلى رأسه إرث المفكر والماركسي المغربي البارز الشهيد عبد السلام المودن ورفاقه، فالحركات اليسارية والقوى المناهضة للتطبيع في المغرب وامتداداتها النضالية المعاصرة ضد التطبيع تستحضر أدبيات ومواقف الشهيد المودن لرفض أي مسار يربط بلدنا بالكيانات الاحتلالية أو يعمق التبعية الاستراتيجية للدوائر الغربية والصهيونية، على اعتبار أن التطبيع والسياسات الملحقة به تتعارض مع مسار التحرر الوطني والسيادة الشعبية.
التطبيع تفريط، وتبريره أخطر.
الهرهورة، 16 غشت 2026
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك