التصوف بين النقد والاختزال

التصوف بين النقد والاختزال
مقالات رأي / السبت 15 غشت 2026 / لا توجد تعليقات: لمجيد

بقلم:محمد عزلي

بذرة هذا المقال جاءت من تدوينة لأحد الأصدقاء الفضلاء، الذين أكن لهم كل التقدير والاحترام، أثارت في ذهني جملة من الأسئلة تتجاوز مضمون التدوينة نفسها إلى سؤال أوسع يتعلق بعلاقتنا نحن المغاربة بتراثنا الروحي، وبالطريقة التي نقرأ بها التصوف والزوايا والأضرحة والمواسم، وبالحدود الفاصلة بين التدين الشعبي، والتجربة الصوفية، والخرافة، والتقديس..

ويتزامن هذا مع اقتراب ذكرى المولد النبوي الشريف، وهي مناسبة تعود معها، كما في كل سنة، الأسئلة ذاتها تقريبا: هل الاحتفال بالمولد مشروع أم بدعة؟ هل يجوز أم لا يجوز؟ بل يذهب البعض إلى تحريمه، فيما يراه آخرون تعبيراً عن المحبة والفرح بمولد خير البرية. ولا أريد أن أدخل هنا في سجال فقهي حول هذه المسألة، ولا أن أقدم نفسي مفتيا في شأن له تفصيلاته واختلافاته العلمية المعروفة؛ وإنما يهمني أن أتوقف عند السياق الثقافي والروحي الذي جعل المولد النبوي يحتل هذه المكانة في الذاكرة المغربية، وأن أتأمل في علاقته بذلك المكون الصوفي الذي شكل لقرون، أحد الأبعاد الأساسية في الشخصية الدينية والثقافية للمغرب.

· حين يتحول النقد المشروع إلى اختزال..

لا أعتقد أن هناك خلاف حول ضرورة مغالبة الخرافة والدجل واستغلال الدين وحاجات البسطاء، ولا ينبغي أن يكون هناك خلاف أيضا عن أن التقدير لا يعني التقديس، وأن النسب الشريف ليس عصمة، وأن الولاية والصلاح لا يمنح صاحبه حصانة من النقد. بل إن التصدي للمتاجرة بالمقدس ضرورة، واستغلال جهل الناس وحاجتهم، وتحويل بعض الأشخاص إلى أصحاب سلطة دينية مطلقة، أمر يستحق النقد الصريح. لكن المشكلة في الحقيقة تبدأ حين ننتقل من نقد الممارسة إلى إدانة الظاهرة بأكملها.

فليس كل ما يسمى تصوفا هو كذلك بالفعل، وليس كل ما يوجد حول ضريح الولي يمثل التصوف، وليس كل ما يقال عن الكرامات عقيدة صوفية، كما أن بعض الممارسات الشعبية التي تراكمت عبر الزمن لا يمكن أن تُنسب ببساطة إلى الإسلام أو إلى التصوف. وهنا يصبح التمييز ضرورة فكرية واجبة..

فثمة فرق بين التصوف باعتباره تجربة في تزكية النفس وتهذيب السلوك والإحسان، وبين الطريقة الصوفية باعتبارها إطارا تربويا وروحيا، وبين الزاوية باعتبارها مؤسسة تاريخية، وبين الممارسة الشعبية التي قد تختلط فيها عناصر دينية وثقافية وأساطير ومعتقدات محلية. وإن إسقاط هذه الفوارق جميعها في مفهوم واحد اسمه «التصوف» يجعلنا أمام صورة مشوهة لظاهرة أكثر بساطة ووضوحا بكثير مما تبدو عليه..

· هل الزاوية تعني الضريح؟

ربما يكون من أكثر الإشكاليات شيوعا في هذا الموضوع، اختزال الزاوية المغربية في الضريح والموسم. والحال أن الزاوية، في مراحل كثيرة من التاريخ المغربي، كانت مؤسسة متعددة الوظائف. كانت مدرسة للتعليم، وفضاءً للتربية، ومأوى للطلبة والمسافرين، ومجالا للتكافل والإطعام، وفضاءً للإصلاح والوساطة والتحكيم، ومؤسسة ذات حضور اجتماعي وسياسي بالغ الأهمية.. وفي سياقات تاريخية معينة، اضطلعت بعض الزوايا بأدوار في الجهاد والمقاومة، وأسهم شيوخها وأتباعها في مواجهة الأخطار الخارجية وفي حفظ التوازن الاجتماعي واحتواء النزاعات الأهلية الدامية في أحيان كثيرة.. وكان شيخ الزاوية، في بعض البيئات، وسيطا بين السلطة والمجتمع، وبين القبائل والجماعات، وبين المتخاصمين، بل لعبت بعض الزوايا أدوارا في إخماد الفتن وحفظ السلم الاجتماعي.. وهذا لا يعني أن تاريخ الزوايا كان مثاليا، أو أن جميعها أدت الوظائف نفسها، أو أن شيوخها كانوا فوق النقد. فالزاوية، مثل غيرها من المؤسسات التاريخية، لها إنجازاتها وإخفاقاتها، ولها لحظات ازدهار ولحظات انحراف، وفيها الصالح والطالح، وفيها العالم والمتعلم والمتعالم، كما فيها من استغل النفوذ الديني والاجتماعي. واختزال الزاوية في «الضريح والموسم والدجل والخرافة» هو في اعتقادي تجني وحيف، على الباحثين في المجال الاشتغال أكثر على تفكيك أوتاره، هذا التجني يطال الزاوية أيضا عندما يراد تحويلها إلى مؤسسة مقدسة لا يجوز نقدها.

· بين محبة آل البيت وتقديس الأشخاص

هنا نصل إلى مسألة دقيقة كثيرا ما تختلط فيها المفاهيم.. إن محبة آل بيت رسول الله عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، وتوقيرهم وتقدير مكانتهم أمر له جذوره العميقة في الوجدان الإسلامي، ولا سيما المغربي. والنسب الشريف، بما يحمله من اتصال رمزي برسول الله، مصدر اعتزاز وتوقير، لكنه لا يحول الإنسان إلى كائن فوق بشري. فالنسب شرف، لكنه ليس عصمة. والتوقير محبة، لكنه ليس عبادة. والولاية، إن صحت، ليست مدركة للغيب. والشيخ، مهما علا قدره، يظل بشرا يخطئ ويصيب. وهذه الحدود بالذات هي التي من المفترض أن تحكم علاقتنا بكل رموزنا الدينية والروحية، كي لا ننتقل من محبة الصالحين وتوقيرهم إلى تقديسهم، ولا من الاعتزاز بالنسب الشريف إلى منح صاحبه درجة النبوة والعصمة.. وبالمقابل، علينا أن ننتبه للكفة الأخرى ولا نسمح لبعض التجاوزات التي قد تقع هنا أو هناك بأن تجعلنا ننكر قيمة المحبة نفسها، أو نحول احترام آل البيت إلى تهمة، أو ننظر إلى كل تعبير شعبي عن المحبة بعين واحدة.

ولعل اقتراب ذكرى المولد النبوي الشريف يجعل هذا النقاش أكثر إلحاحا، ففي كل عام، مع حلول هذه المناسبة، يعود السؤال: هل يجوز الاحتفال به؟ ثم تتعدد الإجابات، وتُستدعى النصوص، ويبدأ سجال طويل بين من يراه مشروعا أو مستحبا، ومن يراه بدعة، ومن يذهب إلى التحريم.. وهي مسألة لها مجالها الفقهي والعلمي، ولا ينبغي أن نسد أفق الاجتهاد فيها بالجزم والحسم أو بتبادل الاتهامات..

لكن ما يثير اهتمامي اليوم في هذا السياق، هو طرح أسئلة تخص مجالنا المحلي والوطني، فلربما يجدر بنا أن نسأل: ماذا يمثل المولد النبوي في الذاكرة المغربية؟ لماذا ارتبطت هذه المناسبة عبر التاريخ بمجالس الصلاة على الحبيب المصطفى، والمدائح النبوية، وقراءة السيرة، وإطعام الطعام، واجتماع الناس، وإسعاد الأطفال، وإظهار الفرح والمحبة؟ إن فهم هذه الظاهرة لا يستقيم إذا عزلناها عن السياق الروحي والثقافي الذي تشكل فيه التدين المغربي عبر القرون. قد يختلف الناس في الحكم الفقهي للاحتفال، لكن من الصعب إنكار أن محبة رسول الله وتعظيم سيرته واستحضار أخلاقه والاحتفاء بذكره مكون راسخ في الوجدان المغربي.. والمطلوب هنا في اعتقادي ليس أن نحول المناسبة إلى معركة سنوية بين «أنصار خصوم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف»، بل أن نستثمرها في استعادة السؤال الأهم: ماذا بقي من أخلاق صاحب الذكرى العطرة في سلوكنا؟ إذا كان الاحتفال بالمولد يزيدنا محبة للنبي، فهل يزيدنا أيضاً رحمة بالناس؟ هل يجعلنا أكثر صدقاً؟ أكثر تواضعاً؟ أكثر إنصافاً لمن نختلف معهم؟ أكثر قدرة على العفو؟ أكثر حرصاً على كرامة الإنسان؟

· التصوف قوة ناعمة للمغرب

هناك بعد آخر لا ينبغي أن يغيب عن النقاش، وهو البعد الحضاري والاستراتيجي. فالتصوف المغربي لم يبق محصورا داخل المجال المحلي، بل امتدت شبكاته التاريخية والعلمية والروحية إلى مناطق واسعة من إفريقيا، وأسهمت الطرق والزوايا والعلماء في بناء روابط إنسانية وثقافية ودينية عابرة للحدود.. فالمغرب لم يصدر إلى محيطه الإفريقي عبر التاريخ، التجارة والسياسة فقط، وإنما صدر أيضا العلم والمذهب والتقاليد الروحية والعلماء والطرق الصوفية.. وقد أسهم هذا الامتداد في بناء علاقات طويلة الأمد، لا تقوم فقط على المصالح، وإنما أيضا على الذاكرة المشتركة والروابط الروحية والثقافية.. وفي زمن تتصارع فيه الدول على النفوذ والقدرة على التأثير، يصبح من العبث أن نتعامل مع هذا الرصيد الحضاري باعتباره مجرد بقايا من الماضي.. لكن امتلاك قوة ناعمة (التصوف المغربي) لا تعني أن نُصدّر زبد البحر.. بل تعني أن نستعيد الأسس الصلبة لهذا التراث: قيم الاعتدال، والتسامح، والتربية، والمحبة، والوساطة، والتعايش، والقدرة على بناء الجسور..

لسنا في حاجة إلى إعدام التصوف ولا إلى تحصينه ضد النقد، ربما تكون المشكلة الحقيقية اليوم في أننا نميل إلى الأحكام القصوى. إما أن نُقدس التراث كله، وإما أن نهدمه كله. إما أن نقبل كل ما ارتبط بالتصوف، وإما أن نرفضه برمته. إما أن ندافع عن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف باعتباره تخليدا واحتفاءً برسول الله لا يجوز المساس به، وإما أن نعتبر كل احتفاء به ضلالاً.. والحال أن التاريخ والفكر والدين أكثر سعة من هذه الثنائية.

نحن بكل بساطة بحاجة إلى عقل يميز بين التصوف والتخريف، بين الولاية والدجل، بين محبة آل البيت وتقديس الأشخاص، بين النسب الشريف والعصمة، بين الزاوية كمؤسسة تاريخية وبين الممارسات التي علقت بها، بين الاحتفال بمولد رسول الله باعتباره تعبيرا ثقافيا وروحيا، وبين تحويل أي ممارسة مرتبطة به إلى حكم ديني مطلق لا يقبل النقاش.

· التراث لا يُقدّس ولا يُلعن

أعتقد أن علينا أن نعيد قراءة علاقتنا بالتراث قبل أن نضيع من بين أيدينا كنزا لا يملكه الكثيرون على ظهر هذا الكوكب.. التراث ليس حمولة زائدة من الماضي ينبغي التخلص منها، التراث يُدرس، ويُفهم، ويُنقد، ويُنقّى، ويُستثمر.. نحتفظ بما يعزز إنسانيتنا، ونراجع ما يحتاج إلى مراجعة، ونرفض ما يتعارض مع العقل أو الشرع أو كرامة الإنسان، دون أن نحول ذلك إلى حرب على الثقافة والذاكرة.. والمغرب اليوم في حاجة إلى كل أدواته وأسلحته وقدراته، ومنها قوته الروحية، هو في حاجة لتصوف متجدد في وظيفته التربوية، واضح في مرجعيته، منفتح على العقل، يحارب الدجل و

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك