حين انتصر الإيمان على الطغيان قصة أصحاب الكهف وعبرة الثبات في زمن الفتن

حين انتصر الإيمان على الطغيان قصة أصحاب الكهف وعبرة الثبات في زمن الفتن
قصة قصيرة / الأحد 22 فبراير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب:الرباط

تحكي لنا سورة الكهف قصة فتية آمنوا بربهم في زمن طغى فيه الشرك والجبروت، فاختاروا طريق الحق رغم ما يحيط بهم من تهديد وقمع، فصاروا نموذجا خالدا للشباب الذي يقدم العقيدة على الراحة ويؤثر الإيمان على السلامة الظاهرة.

كان هؤلاء الفتية يعيشون في مجتمع يفرض عبادة غير الله، وحين أشرقت أنوار التوحيد في قلوبهم أعلنوا موقفهم بوضوح، كما جاء في قوله تعالى في سورة الكهف الآية 14: وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا.

لم يكن موقفهم مجرد كلمات، بل تبعه قرار صعب بالهجرة والاعتزال حفاظا على دينهم، فآثروا الفرار بدينهم إلى كهف في الجبل، مصداقا لقوله تعالى في الآية 16: وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا.

هناك في ظلمة الكهف تجلت رحمة الله، فأنامهم سنين طويلة بلغت 309 سنوات كما في الآية 25 من السورة نفسها، في معجزة حفظ إلهي فريد، حيث تقلبهم الشمس ذات اليمين وذات الشمال دون أن تمسهم بسوء، ليكونوا آية للناس على قدرة الله في البعث والحفظ.

مرت القرون وتبدلت الأحوال، ثم بعثهم الله ليكون استيقاظهم شاهدا على أن الزمن بيد الله وأن وعده حق، فخرج أحدهم إلى المدينة ليشتري طعاما، فاكتشف أن العالم الذي تركه قد تغير وأن الإيمان الذي كان غريبا صار ظاهرا.

عندما انكشف أمرهم للناس أدرك الجميع أن الله قادر على إحياء الموتى كما أحيا هؤلاء الفتية بعد نوم طويل، فكانت قصتهم دليلا عمليا على حقيقة البعث التي كان ينكرها كثيرون، ولهذا ختم الله القصة بتأكيد هذه الحقيقة في الآية 21: وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها.

العبرة الأولى من قصتهم أن الثبات على الحق قد يقتضي تضحية واعتزالا وصبرا، لكن العاقبة تكون لأهل الإيمان، فالله يتولى من صدق معه ويجعل له من كل ضيق مخرجا ومن كل خوف أمنا.

والعبرة الثانية أن الشباب هم عماد التغيير الحقيقي، فقد وصفهم القرآن بالفتية، في إشارة إلى أن قوة الإيمان لا ترتبط بالعمر بل باليقين، وأن الإصلاح قد يبدأ بمجموعة قليلة لكنها صادقة في توجهها.

كما تعلمنا القصة أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، فقد خططوا للخروج سرا واتفقوا على الحذر في تعاملهم، ومع ذلك علقوا قلوبهم برحمة الله، فجمعوا بين العمل والدعاء وبين الحذر والثقة.

تبقى قصة أصحاب الكهف رسالة لكل زمان مفادها أن الفتن مهما اشتدت لا تطفئ نور الإيمان في القلوب الصادقة، وأن من حفظ دينه حفظه الله، وأن النهاية المشرقة قد تتأخر لكنها لا تضيع عند رب لا يضيع أجر من أحسن عملا.

 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك