
أنتلجنسيا المغرب: الرباط
كان يعيش في أحد الأحياء البسيطة رجل
فقير يعمل حارسًا ليليًا في مخزن قديم، بالكاد يسد رمقه من الأجر الزهيد الذي
يتقاضاه. لم يكن يملك بيتًا يليق به ولا مالًا يطمئن قلبه، بل كان يقضي لياليه في
حراسة أبواب لا يملك منها شيئًا، وينام النهار على حصير متآكل في كوخ ضيق. ومع ذلك
كان قلبه مملوءًا بالقناعة ورضا بما قسم الله.
وذات ليلة حالكة، بينما كان يقوم
بجولاته المعتادة داخل المخزن، عثر بالصدفة على صندوق خشبي ضخم يعلوه الغبار. دافع
الفضول قاده إلى فتحه، فإذا به يجد داخله أكياسًا مملوءة بالذهب والمجوهرات والقطع
النفيسة التي لم ير مثلها من قبل. ارتعش قلبه بشدة وارتجفت يداه، فقد كان أمام كنز
حقيقي يكفي أن يغير حياته من فقر مدقع إلى غنى واسع.
جلس الحارس مذهولًا أمام الصندوق،
يتأمل بريق الذهب ولمعان الجواهر التي خطفت بصره. أخذ يفكر: "أهذا حلم أم
حقيقة؟ كيف لصعلوك مثلي أن يقع على مثل هذا الثراء؟" لكنه ما لبث أن تذكر أن
المال له أصحاب، وأن الله يراه في خلوته كما يراه في العلن، فشعر بثقل الأمانة على
كتفيه.
ظل طوال الليل يفكر في ما عساه أن
يفعل، يتصارع داخله صوتان: صوت الفقر الذي يغريه بالاحتفاظ بما وجد، وصوت الإيمان
الذي يذكره بأن الأمانة أعظم من كل كنوز الأرض. وفي النهاية حسم قلبه الصادق
الموقف، وقرر أن يبحث عن صاحب الصندوق مهما كلفه الأمر.
في الصباح حمل الصندوق بصعوبة وذهب
إلى إدارة المخزن يستفسر عن مصدره. وبعد بحث طويل تبيّن أن الصندوق يعود إلى تاجر
ثري كان يخزن فيه مقتنياته النفيسة، لكنه نسي أمره منذ سنوات بعد أن توسعت تجارته
وتوزعت أملاكه بين عدة مخازن.
حين علم الغني بعودة صندوقه لم يصدق
في البداية. لقد كان مقتنعًا أن الصندوق ضاع إلى الأبد أو ربما نهب منذ زمن بعيد.
ولمّا وقف أمام الحارس الفقير ورأى بيديه الصندوق الذي يحوي ثروته المفقودة، أصابه
الذهول والامتنان في آن واحد.
سأله الغني بدهشة: "أما كان في
نفسك يا رجل أن تستولي على هذا الكنز؟ إنه يكفي ليجعلك من الأثرياء بين ليلة
وضحاها!" ابتسم الحارس في هدوء وقال: "يا سيدي، ما نفع الغنى إن فقدت
الأمانة؟ أنا حارس، ومهمتي أن أحفظ ما ليس لي قبل أن أحفظ ما هو لي."
اغرورقت عينا الغني بالدموع، وأدرك أن
هذا الرجل البسيط الذي يعيش على قوت يومه يملك ثروة أعظم من الذهب، ثروة الأخلاق
والضمير الحي. وراح يحدث نفسه أن المال يمكن أن يُحصَّل من جديد، لكن القيم
النبيلة لا تباع ولا تشترى.
قرر الغني أن يكافئ الحارس على صدقه،
فعرض عليه أن يمنحه جزءًا من الكنز، غير أن الحارس رفض قائلًا: "كفايتي أن
أعود إلى بيتي وضميري مرتاح، فأنا لم أقم إلا بواجبي."
لم يستسلم الغني لإصرار الحارس، ففكر
في وسيلة أخرى لتغيير حياته. فعرض عليه وظيفة أفضل وأجرًا مضاعفًا يليق بأمانته.
ومع إلحاح التاجر وافق الحارس على هذا العرض، معتبرًا إياه ثمرة من ثمار الصدق
التي يمنحها الله لعباده المخلصين.
شيئًا فشيئًا تغيرت حياة الحارس، إذ
انتقل من كوخه الضيق إلى بيت متواضع يليق بأسرته، وأصبح دخله يكفي ليؤمن
احتياجاته. لكن الأهم من كل ذلك أنه ظل وفيًا لمبادئه، يردد دائمًا أن القناعة كنز
لا يفنى.
أما الغني، فقد تعلم من هذه الحادثة
درسًا لم يتعلمه من تجارته الواسعة ولا من صفقاته الضخمة. فقد أيقن أن المال مهما
كثر يظل عرضة للضياع، لكن الأمانة إذا سكنت في القلوب فإنها تصنع ثروات لا تقدر
بثمن.
وصار الحارس مضرب المثل في حيه، يروي
الناس قصته بإعجاب ويعلمون أبناءهم أن الاستقامة والصدق أعظم من الذهب والجواهر.
وكان الأطفال ينظرون إليه بعين
الاحترام، لا لأنه أصبح أغنى مما كان، بل لأنه حافظ على نقاء قلبه في زمن كثرت فيه
الشهوات.
الحارس نفسه ظل يحمد الله على أن
امتحنه بتلك الأمانة العظيمة، فثبت ولم يغره بريق المال. وكان يقول لكل من سأله عن
سبب تصرفه: "لو أخذت المال لكنت خسرت نفسي، أما وقد أعدته، فقد ربحت راحتي
ورضا ربي."
وتحولت قصته إلى درس خالد يردده
الجميع، أن الأمانة لا يقدرها إلا من عرف قيمة النفس، وأن الكرامة الحقيقية ليست
في ما تملكه اليد، بل فيما يحفظه القلب.
هكذا أصبح الحارس الفقير رمزًا للصدق
في زمنٍ يلهث فيه الكثيرون وراء الثروة، ليبقى شاهدًا أن الفقر لا ينقص من قيمة
الإنسان شيئًا إذا كان يملك كنز الأخلاق.
وفي نهاية المطاف، اتضح أن الغنى
الحقيقي ليس ما يملكه المرء في جيبه، بل ما يحمله في صدره من صدق وأمانة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك