نجوى كوكوس..أصغر وزيرة في الحكومة المغربية أمام امتحان المسؤولية وأحكام السياسة المسبقة

نجوى كوكوس..أصغر وزيرة في الحكومة المغربية أمام امتحان المسؤولية وأحكام السياسة المسبقة
ديكريبتاج / الأحد 25 أكتوبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو جاسر

ليس وصول امرأة شابة إلى موقع المسؤولية الحكومية حدثاً عابراً في بلد ظل تجديد نخبه السياسية أحد أبرز عناوين النقاش العمومي. غير أن الأهم من سن نجوى كوكوس ليس كونها من أصغر الوجوه الحكومية، بل ما تثيره تجربتها من أسئلة حول معايير الكفاءة، وحدود الإنصاف، وقدرة المؤسسات على فتح المجال أمام أجيال جديدة من المسؤولين.

ثمة مفارقة تستحق التأمل في الطريقة التي يستقبل بها جزء من الرأي العام الوجوه السياسية الجديدة. فعلى امتداد سنوات، ظل مطلب التشبيب حاضراً في الخطابات الحزبية والنقاشات الإعلامية، باعتباره مدخلاً لتجديد الحياة السياسية وتجاوز أزمة الثقة في النخب التقليدية. غير أن الانتقال من المطالبة بالتجديد إلى تقبل نتائجه ليس دائماً انتقالاً سلساً؛ إذ سرعان ما يتحول العمر، الذي كان بالأمس حجة للمطالبة بالتغيير، إلى موضوع للتشكيك حين يتولى الشباب مواقع القرار.

وفي هذا السياق، تبرز تجربة نجوى كوكوس بما تحمله من دلالات تتجاوز شخصها. فالمسألة لا تتعلق فقط بامرأة شابة تتولى حقيبة حكومية، وإنما بسؤال أعمق: هل استطاع النقاش السياسي المغربي تطوير معايير موضوعية للحكم على المسؤولين، أم أن الانطباعات الشخصية والانتماءات الحزبية ما زالت تتقدم أحياناً على تقييم التجربة والإنجاز؟

وبعيداً عن الاختزال الذي يربط المسار السياسي بالمنصب الأخير، فإن كوكوس ليست اسماً جديداً على العمل العام. فقد اشتغلت في المحاماة، وخاضت تجربة برلمانية، وتولت مسؤولية رئاسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة. وهي محطات لا تمنح صاحبها شهادة مسبقة بالنجاح، لكنها تشكل عناصر أساسية لفهم مساره وتقييم مؤهلاته. فالانتقال إلى المسؤولية الحكومية لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره تتويجاً شخصياً، بل بداية امتحان أكثر تعقيداً، تتراجع فيه قيمة الخطاب أمام صرامة النتائج.

ولعل الخطأ الذي يتكرر في تقييم المسؤولين هو الخلط بين الخبرة وطول البقاء في المناصب. فالخبرة السياسية لا تختزل في عدد السنوات، مثلما أن الشباب لا يشكل في ذاته ضمانة للابتكار أو النجاح. قد يمتلك مسؤول شاب قدرة على المبادرة، وقد يمتلك مسؤول مخضرم معرفة مؤسساتية عميقة؛ غير أن الفيصل بينهما يظل جودة القرار وفعالية التدبير والقدرة على تحقيق أثر ملموس في حياة المواطنين. وبغير هذا المعيار، يصبح الحديث عن الكفاءة مجرد انطباع قابل للتبدل بحسب هوية الشخص المعني.

وتكتسب هذه الأسئلة أهمية مضاعفة بالنظر إلى طبيعة القطاع الاجتماعي الذي يرتبط اسمه بنجوى كوكوس. فملفات الأسرة والمساواة والفئات الهشة والأشخاص في وضعية إعاقة لا تحتمل الاكتفاء بالشعارات أو الاكتساب الرمزي للمناصب. إنها ملفات تتداخل فيها التشريعات والميزانيات والبرامج الاجتماعية والتنسيق بين المؤسسات، وتتطلب قدرة على تحويل الالتزامات المعلنة إلى خدمات وحقوق ملموسة. ولذلك فإن الاختبار الحقيقي لا يكمن في كيفية استقبال الوزيرة إعلامياً، وإنما في طبيعة القرارات التي ستتخذها، ومدى انعكاسها على الفئات المعنية.

ومن هنا، فإن النقد الجاد لا يبدأ من التشكيك في السن أو من افتراض الإخفاق، بل من مساءلة الأولويات والبرامج والوسائل والنتائج. كما أن الدفاع عن حق أي مسؤول في تقييم منصف لا يعني المطالبة بتحصينه من المحاسبة. على العكس، فكلما ارتفعت المسؤولية، ارتفع معها واجب الشفافية وتقديم الحصيلة. والإنصاف لا يتعارض مع الصرامة؛ إنما يمنحها مشروعيتها، لأنه يجعل الحكم مرتبطاً بالوقائع لا بالأحكام الجاهزة.

إن القضية الأعمق التي تطرحها تجربة نجوى كوكوس ليست ما إذا كان الشباب أقدر من غيرهم على الحكم، بل ما إذا كنا مستعدين للحكم على الجميع بالمعايير نفسها. فالتجديد لا يكتمل بمجرد تغيير الأسماء والأعمار، كما أن المحاسبة لا تتحقق بمجرد ارتفاع أصوات المنتقدين. بين هذين الأمرين توجد مساحة أساسية لبناء حياة سياسية أكثر نضجاً: مساحة تمنح المسؤول فرصة العمل، وتلزمه في المقابل بتقديم نتائج واضحة، وتترك للمواطن حق إصدار حكمه على أساس ما تحقق فعلاً.

في نهاية المطاف، لن يحسم عمر نجوى كوكوس قيمة تجربتها، ولن تحسمها كذلك موجات الإشادة أو الانتقاد. ما سيحسمها هو ما ستنجزه في موقع المسؤولية. أما النقاش الذي يستحق أن نخوضه اليوم، فهو كيف نجعل من تجديد النخب فرصة لتحسين الأداء العمومي، لا مجرد مناسبة لإعادة إنتاج الخصومات القديمة بأسماء جديدة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك