حمى الاحتجاجات تصل إسبانيا ومعاشات المتقاعدين تُشعل المواجهة السياسية قبل انتخابات نونبر

حمى الاحتجاجات تصل إسبانيا ومعاشات المتقاعدين تُشعل المواجهة السياسية قبل انتخابات نونبر
تقارير / الأحد 25 أكتوبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)

احتشد آلاف الإسبان، أمس السبت 24 أكتوبر 2026، وسط العاصمة مدريد، في مسيرة احتجاجية للدفاع عن نظام المعاشات التقاعدية العمومي، في تحرك أعاد ملف الحماية الاجتماعية إلى واجهة النقاش السياسي، قبل أسابيع من الانتخابات التشريعية المقررة في 29 نونبر المقبل، وفي ظل استمرار الضغوط المرتبطة بغلاء المعيشة وتكاليف السكن.

وامتدت المسيرة السلمية على مسافة تقارب كيلومترين، انطلاقاً من محطة أتوتشا وصولاً إلى شارع ألكالا، مروراً بمتحف برادو وساحة سيبيليس، حيث رفع المشاركون شعارات تطالب بصون حقوق المتقاعدين والحفاظ على قدرتهم الشرائية، محذرين من أي توجه قد يضعف منظومة التقاعد العمومية.

وقدّرت السلطات المحلية في مدريد عدد المشاركين بنحو 25 ألف شخص، بينما رفع المنظمون الحصيلة إلى قرابة 50 ألفاً، في اختلاف يعكس حجم التعبئة التي رافقت الاحتجاج. وحمل المتظاهرون لافتات تؤكد أن المعاشات حق اجتماعي ينبغي ضمانه، في رسالة موجهة إلى الحكومة والمعارضة على حد سواء، مع تصاعد الجدل بشأن مستقبل النظام وقدرته على الاستجابة لاحتياجات المستفيدين.

وعكست المشاركة في المسيرة قلقاً يتجاوز قيمة المعاشات الشهرية، ليشمل مستقبل الخدمات العامة ومستوى الحماية الاجتماعية في بلد تواجه فيه شرائح واسعة صعوبات مرتبطة بتكاليف الحياة. وفي هذا السياق، عبّرت بيلار، البالغة من العمر 64 عاماً، عن رفضها لأي مساس بالمعاشات، محذرة مما وصفته بالتوجه نحو خصخصة الخدمات.

وربطت المتظاهرة بين التحرك دفاعاً عن المتقاعدين والاحتجاجات التي شهدتها إسبانيا خلال الأسابيع الأخيرة بشأن أزمة السكن، معتبرة أن تنامي التحركات الاجتماعية يعكس اتساع دائرة القلق، خصوصاً لدى الشباب والأسر التي تواجه صعوبات في الحصول على سكن مناسب. كما شددت على أهمية حماية التعليم والرعاية الصحية باعتبارهما من الركائز الأساسية للخدمات العمومية.

وتتقاطع هذه المطالب مع نقاش أوسع حول قدرة السياسات الاجتماعية على التوفيق بين استدامة المالية العامة وضمان العيش الكريم، إذ لا ترتبط أوضاع المتقاعدين بمستوى الدخل وحده، بل كذلك بتكاليف السكن والصحة والخدمات الأساسية، التي تؤثر بصورة مباشرة في القيمة الفعلية للمعاشات.

وانتقل ملف التقاعد إلى صلب التجاذبات الحزبية مع اقتراب الانتخابات التشريعية المبكرة، بعدما جعلت الحكومة الاشتراكية بقيادة بيدرو سانشيز ومعها المعارضة اليمينية مستقبل المعاشات إحدى نقاط الخلاف السياسي. ويتهم الاشتراكيون حزب الشعب، بقيادة ألبرتو نونيز فيخو، بالتشكيك في آلية ربط المعاشات بمعدل التضخم، التي دخلت حيز التنفيذ في الأول من يناير 2022 بهدف تعديل قيمتها بما يواكب تطور الأسعار.

وكان حزب الشعب قد صوّت ضد القانون الذي أقر هذه الآلية في نهاية عام 2021، منتقداً كلفتها على خزينة الدولة. وفي المقابل، أكد فيخو أن حزبه سيعمل، في حال فوزه بالانتخابات، على تحديث المعاشات وفق التضخم وضمان استمرار النظام العمومي للتقاعد، فيما لا تزال تفاصيل الإصلاحات التي قد يقترحها الحزب موضع نقاش سياسي.

ويضع هذا التباين الناخبين أمام تساؤلات تتعلق بمدى قدرة الأحزاب على تقديم ضمانات عملية بشأن تمويل نظام التقاعد، والحفاظ على القيمة الشرائية للمعاشات، وتفادي تحميل المتقاعدين تبعات الضغوط المالية والاقتصادية. كما يعيد إلى الواجهة النقاش حول الوسائل الكفيلة بضمان استدامة المنظومة من دون الإضرار بالحقوق الاجتماعية المكتسبة.

وتبرز أهمية هذا الملف أيضاً من خلال حجم المستفيدين والمبالغ التي يتقاضونها، إذ أظهرت بيانات وزارة الضمان الاجتماعي الإسبانية، التي نقلتها وكالة فرانس برس، أن متوسط المعاش التقاعدي بلغ 1576 يورو شهرياً خلال شتنبر 2026، لفائدة نحو 6.8 ملايين مستفيد. غير أن هذا المتوسط لا يعكس بالضرورة الأوضاع الفردية لجميع المتقاعدين، لاختلاف قيمة المعاشات بحسب مدة الاشتراك والمسار المهني والحقوق المكتسبة، فضلاً عن تفاوت النفقات المعيشية بين الأسر.

وتظل مراجعة المعاشات وفق التضخم من أبرز القضايا التي تحظى باهتمام المتقاعدين، لأن عدم مواكبة الزيادات لتطور الأسعار قد يؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية، حتى عندما يظل الدخل الاسمي مستقراً. لذلك، يطالب المدافعون عن النظام العمومي للتقاعد بضمانات واضحة لحماية المعاشات، بالتوازي مع صيانة الخدمات العامة التي يعتمد عليها المتقاعدون وباقي الفئات الاجتماعية.

وتكشف احتجاجات مدريد أن نظام التقاعد لم يعد مجرد ملف تقني مرتبط بميزانية الدولة وتوازنات الضمان الاجتماعي، بل تحول إلى قضية سياسية واجتماعية ترتبط بالثقة في المؤسسات وقدرتها على حماية المواطنين بعد سنوات العمل. ومع اقتراب موعد الاقتراع، تتجه الأنظار إلى ما ستقدمه الأحزاب من التزامات بشأن تمويل النظام وضمان استمراره، ومدى انعكاس برامجها على الحياة اليومية للإسبان.

وبين مطالب الشارع وحسابات الأحزاب، يبقى التحدي المطروح أمام صناع القرار هو الحفاظ على نظام تقاعد مستدام يضمن دخلاً لائقاً للمتقاعدين، من دون إغفال الضغوط التي تواجه الشباب والأسر في ملفات السكن والمعيشة والخدمات العامة، وهي قضايا مرشحة لمواصلة حضورها في النقاش السياسي الإسباني خلال المرحلة المقبلة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك