أنتلجنسيا:أبو جاسر
فتح المؤتمر الدولي المنعقد في جنيف حول الإدماج المستدام للأطفال المتضررين من النزاعات المسلحة والنزوح القسري، ملف أطفال مخيمات تندوف على واجهة نقاش دولي يتجاوز البعد الإنساني، بعدما سلط اللقاء الضوء على قضايا التجنيد والعسكرة والحرمان من مسارات طبيعية للتعليم وإعادة الإدماج، في سياق تتراكم فيه مؤشرات سياسية وتشريعية أمريكية تضع جبهة البوليساريو أمام مسار جديد قد يقود غالبا، عند استكمال شروطه القانونية، إلى تصنيفها كمنظمة إرهابية.
ويعيد هذا المؤتمر، الذي احتضنه مركز جنيف للسياسات الأمنية GCSP بشراكة مع Geneva Nations Institute، تحت شعار:"شفاء الطفولة.استعادة الكرامة.إعادة بناء المستقبل", طرح الأسئلة المرتبطة بمصير الأطفال الذين نشؤوا داخل مخيمات تندوف، خصوصاً بعدما تناول المشاركون سبل إعادة بناء مسارات حياتهم وإدماجهم اجتماعياً وتعليمياً ونفسياً، مع إبراز ما أوردته الجهات المنظمة بشأن تعرض أجيال من الأطفال لبيئة تتسم بالنزوح المطول والتجنيد والبعد العسكري والأيديولوجي.
ويكتسب هذا النقاش أهمية أكبر بسبب تزامنه مع تحركات تشريعية أمريكية غير مسبوقة في مستوى طرح ملف البوليساريو داخل الكونغرس، بعدما جرى تقديم مشروعين يحملان الاسم نفسه تقريباً، أحدهما في مجلس الشيوخ والآخر في مجلس النواب، ويربطان فرض عقوبات ومسار التصنيف باحتمال تعاون الجبهة مع منظمة إرهابية مرتبطة بإيران.
ويكشف مشروع مجلس الشيوخ S.4063، الذي قدم في مارس 2026 وأحيل إلى لجنة العلاقات الخارجية، عن محاولة لإدخال الملف في إطار قانوني أمريكي يرتبط بمكافحة الإرهاب والعقوبات، فيما قدم مشروع H.R.9982 في مجلس النواب في يوليوز وأحيل بدوره إلى لجنتي الشؤون الخارجية والقضاء. ويظل المشروعان، وفق السجل التشريعي الرسمي للكونغرس، مشاريع قوانين في انتظار تحويلها عما قريب إلى قانون نافذ وقرار نهائي، يقضي لتصنيف البوليساريو جماعة إرهابية.
ويعيد طرح ملف أطفال تندوف في جنيف إحياء النقاش حول طبيعة البيئة التي يعيش فيها هؤلاء الأطفال، خصوصاً في ما يتعلق بالحدود الفاصلة بين التربية المدنية واستغلال الأطفال في سياقات عسكرية أو سياسية.
وكانت وثائق مقدمة إلى الأمم المتحدة قد تضمنت ادعاءات بشأن تجنيد أطفال في مخيمات تندوف، غير أن هذه الوثائق تعكس مواقف الجهات التي قدمتها، ولا ينبغي التعامل معها جميعاً باعتبارها نتائج تحقق أممي مستقلة.
وتسلط القضية الضوء كذلك على مفهوم حماية الأطفال في النزاعات المسلحة، الذي يشمل منع تجنيدهم أو استخدامهم في الأعمال المرتبطة بالنزاعات، وضمان حقهم في التعليم وإعادة بناء حياتهم بعيداً عن البيئات العسكرية.
ومن هذه الزاوية، يكتسب مؤتمر جنيف أهمية تتجاوز حدود النقاش الإنساني، لأنه يعيد وضع ملف الأطفال في قلب مساءلة أوسع حول الجهات التي تتحكم في ظروف عيشهم ومسارات تربيتهم ومستقبلهم.
وتتزامن هذه التطورات مع انتقال النقاش الأمريكي حول البوليساريو من مستوى الدعوات السياسية إلى مستوى المبادرات التشريعية المكتوبة، وهو تطور يمنح الملف بعداً قانونياً أكثر وضوحاً.
ويضع تزامن مؤتمر جنيف مع هذا الحراك التشريعي ملف البوليساريو أمام مرحلة مختلفة، إذ باتت قضية الأطفال والعسكرة وحقوق المدنيين تتقاطع مع نقاش أوسع حول الأمن الإقليمي وانتشار الأسلحة والعلاقات مع جهات مصنفة إرهابية من طرف الولايات المتحدة.
ويبرز من خلال هذه المؤشرات أن المسار نحو أي تصنيف أمريكي محتمل لم يعد مجرد فكرة متداولة في مراكز الأبحاث أو في الخطاب السياسي، بل أصبح موضوع مشاريع قوانين رسمية داخل الكونغرس.
ففي الوقت نفسه، يبقى الانتقال من مشروع قانون إلى تصنيف فعلي مرتبطاً باستكمال المساطر القانونية وتحقق الشروط المنصوص عليها، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد مآل هذا الملف.
ويعيد مؤتمر جنيف، في نهاية المطاف، وضع أطفال تندوف في صدارة قضية تتجاوز مستقبلهم الفردي إلى أسئلة أكبر حول حماية الأطفال في مناطق النزاع، ومسؤولية الجهات المسيطرة على المخيمات، وحدود توظيف الأطفال في بيئات سياسية أو عسكرية، بينما تتجه واشنطن إلى مناقشة وضع البوليساريو من زاوية أمنية وقانونية أكثر تشدداً.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك