أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)
دعا جنرال إسباني متقاعد بلاده إلى مراجعة عميقة لاستراتيجيتها في الجنوب، محذرا من أن موازين القوى حول مضيق جبل طارق تتغير بشكل متدرج لصالح المغرب، في ظل ما وصفه بتصاعد الإمكانيات العسكرية واللوجستية والدبلوماسية للمملكة، مقابل تراجع الثقل السياسي والعسكري لإسبانيا على الساحة الدولية.
وجاء هذا التقييم في مقال رأي كتبه خيسوس أرغوموسا بيلا، النائب الثاني لرئيس جمعية العسكريين الكتاب في إسبانيا ومدير كرسي الجيوسياسة والدراسات الاستراتيجية بالمعهد الأوروبي للدراسات الدولية، اعتبر فيه أن أحداث سبتة يومي 30 و31 يوليوز الماضي كشفت، من وجهة نظره، هشاشة الموقف الإسباني والحاجة إلى إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية.
ويربط الكاتب صعود المغرب بالتحولات التي طرأت على علاقاته مع الولايات المتحدة وإسرائيل منذ سنة 2020، خصوصا بعد اتفاقات أبراهام والاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء، ثم توثيق التعاون العسكري بين الرباط وواشنطن خلال السنوات الموالية.
ويستحضر الجنرال المتقاعد في هذا السياق مشروع مركز التدريب والتجريب متعدد المجالات في طانطان، الذي يجري تطويره بشراكة مع القيادة الأمريكية في إفريقيا "أفريكوم"، إضافة إلى خارطة التعاون الدفاعي الجديدة بين المغرب والولايات المتحدة للفترة 2026-2036، والتي يرى أنها تمنح الرباط قدرة أكبر على الوصول إلى تقنيات وتسليح متطور.
كما يشير إلى أن المغرب يعتمد بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة وإسرائيل في وارداته الدفاعية، معتبرا أن هذا الارتباط يوفر له دعما استراتيجيا في ملفات شمال إفريقيا والساحل، فضلا عن تقوية موقعه في مواجهة التهديدات الأمنية الإقليمية.
وفي المقابل، يقدم الكاتب صورة شديدة الانتقاد لوضع إسبانيا، إذ يرى أن مدريد تبنت خلال السنوات الأخيرة مواقف أبعدتها عن بعض شركائها التقليديين، خصوصا الولايات المتحدة وإسرائيل، كما يعتبر أن الاستقطاب السياسي الداخلي والخلافات حول ملفات الدفاع والهجرة والبنية التحتية أضعفت قدرتها على بلورة سياسة خارجية قوية ومتجانسة.
ويذهب الجنرال الإسباني إلى أن هذا الوضع الداخلي أتاح لدول أخرى، وعلى رأسها المغرب، هامشا أوسع لتعزيز نفوذها الإقليمي، معتبرا أن أزمة سبتة شكلت واحدة من أبرز تجليات هذا الاختلال. ويصف ما حدث نهاية يوليوز بـ"انتهاك للسيادة والوحدة الترابية الإسبانية"، معتبرا أن طريقة تدبير الملف لاحقا أضعفت، بحسب رأيه، صورة مدريد ومصداقيتها.
ويخصص المقال حيزا واسعا لمضيق جبل طارق، الذي يعتبره الكاتب أصل المنافسة الجيوسياسية المقبلة بين المغرب وإسبانيا. ويشير إلى أن المغرب عزز وزنه اللوجستي بفضل ميناء طنجة المتوسط، الذي أصبح، وفق المقال، أحد أبرز الموانئ في إفريقيا ومركزا أساسيا في التجارة الدولية، وهو ما يمنح الرباط ثقلا إضافيا في واحدة من أهم الممرات البحرية في العالم.
ويضيف أن الأهمية الاستراتيجية للمضيق لا تهم البلدين فقط، بل تشمل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بالنظر إلى موقعه في حركة السفن العسكرية والتجارية وسلاسل الإمداد والطاقة بين الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط.
ومن أبرز النقاط التي يثيرها الكاتب أيضا مسألة التسلح المغربي. إذ يشير إلى أن الرباط تستعد لإدخال منصات "هيمارس" الأمريكية إلى الخدمة، مرفقة بصواريخ "أتاكمز" التي قد يصل مداها إلى 300 كيلومتر، إضافة إلى منظومات "PULS" الإسرائيلية التي تتوفر بدورها على ذخائر بعيدة المدى. ويعتقد أن جزءا من هذه القدرات قد يستخدم، مستقبلا، في تأمين المجال المحيط بالمضيق، بينما لا تزال إسبانيا في طور تحديث قدراتها المدفعية والصاروخية.
وانطلاقا من هذا التشخيص، يدعو الجنرال الإسباني بلاده إلى اعتماد ما يسميه "الردع الاستباقي" في حدودها الجنوبية، عبر تعزيز الحامية العسكرية في سبتة، ونشر وحدات إضافية في جنوب شبه الجزيرة قادرة على التدخل السريع، إلى جانب تقوية قوات الأمن ووسائل المراقبة والاستطلاع.
كما يقترح نشر وسائل استخبارات واستطلاع ومراقبة متقدمة، إلى جانب منصات صاروخية متحركة على الضفة الإسبانية من المضيق، بهدف تعزيز السيطرة على المجال البحري وضمان حرية الملاحة، وفق تصوره.
ولا يكتفي الكاتب بالشق العسكري، بل يدعو أيضا إلى مراجعة واسعة للسياسة الخارجية الإسبانية، من خلال استعادة علاقات أقوى مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي والشركاء الغربيين، معتبرا أن استعادة النفوذ الخارجي تبدأ من إعادة بناء التماسك الداخلي وتعزيز الثقل الإسباني داخل المؤسسات الأوروبية والأطلسية.
وفي أكثر فقرات المقال حدة تجاه المغرب، يطالب الجنرال مدريد بالتصدي لما يسميه "مشروع المغرب الكبير"، الذي يعتبر أنه يشمل المطالبة بالصحراء وسبتة ومليلية، داعيا إلى إعلان أن الوحدة الترابية الإسبانية "غير قابلة للنقاش"، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقات مستقرة مع الرباط.
ويخلص الكاتب إلى أن مستقبل التوازن الجيوسياسي في غرب المتوسط سيعتمد، إلى حد كبير، على قدرة إسبانيا على إعادة تنظيم أدوات قوتها العسكرية والدبلوماسية، في مقابل الصعود المتسارع للمغرب في مجالات الدفاع واللوجستيك والعلاقات الدولية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك