أنتلجنسيا المغرب: أميمة . م
لم تعد
البطالة في المغرب مجرد رقم اقتصادي عابر أو مشكلة يمكن إخفاؤها خلف التصريحات
الرسمية، بل أصبحت شبحاً يطارد ملايين الأسر ويهدد مستقبل جيل كامل يبحث عن فرصة
للعيش بكرامة، فقد كشفت أحدث معطيات المندوبية السامية للتخطيط المتعلقة بالفصل
الثالث من سنة 2026 عن بلوغ عدد العاطلين مليوناً و224 ألف شخص، بينما استقر معدل
البطالة الوطني عند 10.5 في المائة، بعدما ارتفع بـ0.9 نقطة مقارنة بالفصل الثاني،
في مشهد يكشف اتساع دائرة القلق الاجتماعي وتزايد المخاوف من انسداد أبواب
المستقبل أمام فئات واسعة من المجتمع المغربي.
الأرقام
الأكثر إثارة للقلق تتعلق بالشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، إذ بلغ
معدل البطالة في صفوفهم 30.5 في المائة، بعدما كان في حدود 27.2 في المائة خلال
الفصل السابق، أي بزيادة قدرها 3.3 نقاط خلال ثلاثة أشهر فقط، وهو ما يعني أن
مستقبل عدد كبير من الشباب أصبح معلقاً بين الانتظار والإحباط، فبدلاً من أن تتحول
سنوات الدراسة والتكوين إلى جسر نحو الاستقلال المادي، يجد آلاف الشباب أنفسهم
أمام واقع قاسٍ عنوانه الشهادات دون عمل والطموحات دون أفق واضح.
ولا تتوقف
الصورة القاتمة عند الشباب، فالنساء يواجهن بدورهن وضعاً مقلقاً بعدما بلغ معدل
البطالة في صفوفهن 16.7 في المائة مقابل 8.7 في المائة لدى الرجال، كما ارتفعت
بطالة النساء بـ1.9 نقطة خلال الفصل الثالث، بينما لم تتجاوز نسبة مشاركتهن في
القوى العاملة 18.1 في المائة مقابل 65.6 في المائة لدى الرجال، وهي أرقام تكشف
عمق الاختلالات التي تحاصر المرأة في سوق الشغل، وتطرح أسئلة صعبة حول فرص
الاستقلال الاقتصادي والعدالة في الولوج إلى العمل.
وتزداد خطورة
الوضع عندما نكتشف أن سوق الشغل فقد خلال الفصل الثالث من سنة 2026 ما مجموعه 173
ألف منصب شغل صافٍ، أي بانخفاض نسبته 1.6 في المائة مقارنة بالفصل السابق، وكانت
الضربة الأقسى من نصيب القطاع الفلاحي الذي فقد 145 ألف منصب، بينما خسرت الخدمات
96 ألف منصب إضافي، والبناء ثلاثة آلاف منصب، ورغم إحداث الصناعة 69 ألف منصب فإن
الحصيلة الإجمالية بقيت سلبية، في مؤشر يثير المخاوف بشأن هشاشة فرص العمل واعتماد
قطاعات واسعة على ظروف اقتصادية ومناخية متقلبة.
أما المفارقة
الأكثر إيلاماً فتتمثل في أن الشهادة الجامعية لم تعد تضمن لصاحبها الخروج من نفق
البطالة، فقد بلغ معدل البطالة 18.1 في المائة لدى حاملي الشهادات العليا، والنسبة
نفسها لدى أصحاب الشهادات المتوسطة، مقابل 11.6 في المائة لدى حاملي الشهادات
الأساسية و4.7 في المائة لدى غير الحاصلين على شهادة، وهي معطيات تضع منظومة
التعليم والتكوين أمام أسئلة محرجة حول مدى ارتباط التخصصات الدراسية بحاجيات سوق
الشغل، وتكشف أن سنوات الدراسة الطويلة قد تنتهي أحياناً بمواجهة أبواب مغلقة
وانتظار لا يعرف موعد نهايته.
وتكشف الخريطة
الجهوية للبطالة عن تفاوتات تزيد المشهد تعقيداً، فقد سجلت جهة كلميم واد نون أعلى
معدل بلغ 17.2 في المائة، تليها درعة تافيلالت بـ14.7 في المائة، ثم جهة الشرق
بـ13.7 في المائة، والدار البيضاء سطات بـ13 في المائة، كما بلغ المعدل المركب
للاستخدام غير الكامل 19.6 في المائة على المستوى الوطني، وقفز إلى 44.5 في المائة
لدى الشباب، وهو ما يعني أن الأزمة لا تقتصر على الأشخاص الذين لا يجدون عملاً، بل
تشمل أيضاً من يملكون عملاً غير كافٍ لتلبية احتياجاتهم وتحقيق الاستقرار المادي.
إن استمرار
هذه المؤشرات يضع المغرب أمام اختبار اجتماعي بالغ الصعوبة، لأن البطالة الطويلة
لا تسرق الدخل فقط، بل تهدد الاستقلال الأسري وتؤجل الزواج وتعرقل الحصول على
السكن وتغذي الإحساس بالإقصاء وفقدان الأمل، ومع وجود أكثر من مليون و224 ألف عاطل
وتراجع صافٍ في التشغيل بلغ 173 ألف منصب خلال فصل واحد، يصبح من الضروري الانتقال
من الوعود والبرامج المعلنة إلى حلول ملموسة تخلق وظائف مستقرة وتربط التعليم
بحاجيات الاقتصاد، فالأرقام ليست مجرد نسب جامدة، بل وراء كل رقم شاب ينتظر فرصة
وامرأة تبحث عن استقلالها وأسرة تخشى أن يتحول الغد إلى نسخة أكثر قسوة من اليوم.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك