أنتلجنسيا:ياسر اروين
كشف ريكاردو فابياني، المسؤول بالنيابة عن برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في International Crisis Group، أن الاجتماع الذي انعقد داخل السفارة الأمريكية بمدريد يومي 8 و9 فبراير لم يكن يفترض أن يرى النور إعلامياً، معتبراً أن طبيعته كانت سرية وأن تسريبه يعكس حساسية المرحلة التي يمر بها النزاع حول الصحراء.
التصريحات، التي أدلى بها في حوار مع Mondafrique، تضع الولايات المتحدة في موقع الفاعل المركزي الذي بات يقود، عملياً، دينامية الملف، رغم استمرار حضور الأمم المتحدة ومبعوثها الشخصي ستيفان دي ميستورا.
فابياني أشار إلى أن واشنطن تعتبر أن مساراً تفاوضياً دام أكثر من ثلاثة عقود لم يحقق اختراقاً حقيقياً، وهو ما دفعها، وفق تحليله، إلى تبني مقاربة أكثر مباشرة تقوم على تسريع الحل عبر دعم مقترح الحكم الذاتي المغربي وتنزيل القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن.
فالقراءة التي يقدمها تعكس انتقالاً من دبلوماسية الوساطة البطيئة إلى منطق الضغط السياسي المباشر، في ظل ما وصفه بإجماع دبلوماسي متنامٍ يميل لصالح الرباط.
ويأتي هذا التحول في سياق تراكم مواقف دولية داعمة للمغرب، أبرزها الاعتراف الأمريكي بسيادة الرباط على الصحراء، والموقف الفرنسي الذي اعتبر أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يشكل الإطار الواقعي للحل.
هذا، ووفق فابياني، فإن المسؤولين المغاربة الذين تواصل معهم لا يظهرون اهتماماً بصيغ تسوية وسطية تقليدية، بل يراهنون على ترجيح ميزان القوى الدولي لصالحهم، مع إعطاء أولوية قصوى للحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.
التصريحات المنسوبة إلى مسؤولين مغاربة، كما نقلها الخبير الدولي، تذهب أبعد من ذلك، إذ توحي بعدم وجود تخوف كبير من سيناريو مواجهة عسكرية، انطلاقاً من قناعة بأن ميزان القوى الإقليمي والدعم المتوقع من حلفاء غربيين يجعل أي تصعيد مباشر خياراً غير مرجح من الطرف الآخر.
هذه القراءة، إن صحت، تعكس تحولاً من منطق البحث عن توافق تفاوضي تقليدي إلى منطق إدارة النزاع من موقع ثقة في موازين القوى.
تحليلياً، يكشف هذا المسار عن إعادة تشكيل عميقة لقواعد اللعبة الدبلوماسية في ملف ظل لعقود رهين مقاربة أممية بطيئة الإيقاع.
فإذا كانت الأمم المتحدة ما تزال الإطار الرسمي، فإن الثقل الفعلي، بحسب فابياني، بات يميل نحو واشنطن التي تبدو عازمة على تسريع الحسم في سياق إقليمي ودولي متغير.
كما أن الحديث عن “إجماع دبلوماسي متزايد” يعكس عزلة نسبية للطرح المقابل، ويكرس انتقال النزاع من مربع الجمود إلى مرحلة اختبار إرادات سياسية مدعومة بتحالفات استراتيجية.
غير أن هذا التحول لا يخلو من مخاطر، إذ إن أي تسريع قسري للحل دون توافق إقليمي شامل قد يعمق التوترات، خاصة في ظل هشاشة الأوضاع في منطقة الساحل والحدود المغاربية.
وبين من يرى في المقاربة الأمريكية فرصة لإنهاء نزاع طويل، ومن يحذر من تداعيات تهميش المسار التفاوضي التقليدي، يبقى المؤكد أن الملف دخل مرحلة جديدة عنوانها الصريح، من يملك النفوذ الدولي يملك مفاتيح التسوية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك