إسبانيا في قلب العاصفة ودراسة تُفجّر ملف سبتة ومليلية وتربط مصيرهما بالصحراء المغربية وسط تحذيرات من ارتباك مدريد

إسبانيا في قلب العاصفة ودراسة تُفجّر ملف سبتة ومليلية وتربط مصيرهما بالصحراء المغربية وسط تحذيرات من ارتباك مدريد
ديكريبتاج / الأحد 24 ماي 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)

وسط تصاعد القلق داخل الأوساط الأكاديمية والسياسية الإسبانية بشأن مستقبل النفوذ في شمال إفريقيا، فجّرت دراسة إسبانية حديثة نقاشاً حساساً حول ما وصفته بـ”الارتباك المزمن” في السياسة الخارجية لمدريد تجاه منطقة مضيق جبل طارق، محذّرة من أن استمرار غياب رؤية واضحة قد يدفع إسبانيا إلى خسارة أوراق استراتيجية شديدة الحساسية، على رأسها ملف مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين وعلاقتهما المباشرة بملف الصحراء المغربية.

الدراسة، التي أعدها أستاذ القانون الدولي الإسباني أليخاندرو ديل فايي غالفيز ونُشرت في مجلة متخصصة في قضايا الأمن والسلام، دقت ناقوس الخطر بشأن ما اعتبرته تخبطاً إسبانياً في تدبير واحدة من أكثر المناطق الجيوسياسية حساسية في غرب المتوسط، مؤكدة أن مضيق جبل طارق لم يعد مجرد معبر بحري استراتيجي، بل تحول إلى عقدة أمنية وسياسية تتشابك فيها رهانات الهجرة والأمن والطاقة والنفوذ الإقليمي.

وبحسب القراءة التي قدمها الباحث، فإن التحول الذي أقدمت عليه مدريد سنة 2022 بدعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية لحل نزاع الصحراء لم يكن مجرد خطوة دبلوماسية عادية، بل قراراً أعاد خلط الأوراق داخل المنطقة وغيّر التوازنات الدقيقة التي ظلت تحكم العلاقات بين المغرب وإسبانيا والجزائر لعقود، فاتحاً الباب أمام أسئلة محرجة حول انعكاسات هذا التحول على مستقبل سبتة ومليلية.

الدراسة لم تتردد في الربط المباشر بين قضية الصحراء المغربية والملف المعقد للمدينتين المحتلتين، معتبرة أن الرباط تتحرك وفق رؤية إقليمية أوسع تضع هذه الملفات ضمن حسابات استراتيجية مترابطة، في وقت تبدو فيه مدريد، وفق وصف الباحث، عاجزة عن بلورة سياسة متماسكة تحمي مصالحها طويلة الأمد في المنطقة.

وفي استحضار لأزمة ماي 2021 التي هزّت مدينة سبتة، اعتبر الباحث أن تدفق المهاجرين بشكل جماعي لم يكن حدثاً عفوياً، بل شكل ـ من وجهة نظره ـ وسيلة ضغط سياسي مرتبطة بالخلافات حول ملف الصحراء، وهو ما دفع المؤسسات الإسبانية إلى إعادة النظر في موقع سبتة ومليلية داخل المعادلة الأمنية للدولة، باعتبارهما نقطتي تماس مباشرتين مع رهانات الهجرة والأمن الحدودي والتجاذبات الدبلوماسية المعقدة.

كما سلطت الدراسة الضوء على ما وصفته بغياب “رؤية جيوستراتيجية” إسبانية متكاملة تجاه مضيق جبل طارق، معتبرة أن مدريد لا تزال تتحرك بمنطق رد الفعل بدل اعتماد استراتيجية استباقية واضحة المعالم، رغم أن المنطقة تُعد واحدة من أخطر النقاط الحساسة في التجارة والطاقة العالمية، بالنظر إلى موقعها الحيوي الذي تمر عبره سلاسل إمداد دولية وممرات بحرية ذات أهمية قصوى.

وفي هذا السياق، نبه الباحث إلى أن المجال الجغرافي المحيط بالمضيق يحتضن منشآت عسكرية استراتيجية وقواعد بحرية مؤثرة، إلى جانب موانئ محورية تجعل من المنطقة رقعة تنافس إقليمي ودولي مفتوح، ما يفرض على مدريد، بحسب الدراسة، الانتقال من منطق التدبير الظرفي إلى بناء سياسة خارجية مستقرة تقوم على التوافق الداخلي والشراكة الأوروبية.

وترى الدراسة أن سبتة ومليلية لا ينبغي اختزالهما فقط في ملف الهجرة غير النظامية، بل باعتبارهما جزءاً مركزياً من منظومة الأمن القومي الإسباني، منتقدة التأخر في تنفيذ خطط استراتيجية سبق أن أعلنتها الحكومة الإسبانية لتعزيز حضورهما الأمني والاقتصادي والسياسي.

وفي خلاصة تحمل كثيراً من التحذير، اعتبر الباحث أن إسبانيا مهددة بأن تصبح “أسيرة جغرافيتها” إذا استمرت في إدارة ملفات شمال إفريقيا بعقلية ظرفية ومواقف متقلبة، بدل استثمار موقعها الاستراتيجي لصياغة رؤية بعيدة المدى قادرة على احتواء التحولات المتسارعة التي تعرفها المنطقة، وفي مقدمتها صعود المغرب كلاعب إقليمي يفرض معادلات جديدة على ضفتي المتوسط.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك