أنتلجنسيا:أبو جاسر
في مشهد يعكس حجم التوتر السياسي المتصاعد مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026، تحولت الجلسة العمومية بمجلس النواب، اليوم الإثنين 06 يوليوز الجاري، إلى ساحة سجال حاد بين مكونات الأغلبية والمعارضة، بعدما فجرت انتقادات وجهها نواب من حزب العدالة والتنمية بشأن حضور رئيس الحكومة للمؤسسة التشريعية، موجة من الاعتراضات والردود المتبادلة التي أربكت سير الأشغال وأجبرت رئاسة الجلسة على التدخل أكثر من مرة لإعادة الانضباط إلى النقاش.
بداية التوتر جاءت إثر إثارة نواب من المعارضة لمسألة التزام رئيس الحكومة بالمقتضيات الدستورية والتنظيمية المتعلقة بالحضور الدوري أمام البرلمان لمناقشة السياسات العامة، معتبرين أن عدد الجلسات المنعقدة خلال الدورة الحالية لا ينسجم مع ما ينص عليه الدستور والنظام الداخلي للمؤسسة التشريعية. كما أثاروا ملفات أخرى مرتبطة بتأخر عرض بعض التقارير البرلمانية وتعثر أشغال لجان موضوعاتية اعتبروا أنها لم تستكمل مهامها بالشكل المطلوب.
في المقابل، سارعت مكونات من الأغلبية إلى رفض هذه الاتهامات، مؤكدة أن رئيس الحكومة شارك في جلسات برلمانية خصصت لتقديم الحصيلة الحكومية ومناقشة السياسات العامة، معتبرة أن تصوير الوضع على أنه تهرب من المساءلة البرلمانية لا يعكس حقيقة الوقائع، بل يندرج ضمن محاولات توظيف المؤسسة التشريعية في إطار السجال السياسي المتصاعد بين الفرقاء الحزبيين.
ومع احتدام النقاش، تحولت الجلسة إلى تبادل للمقاطعات والاعتراضات والملاسنات، ما دفع رئاسة الجلسة إلى التدخل مرارا للتأكيد على ضرورة احترام ضوابط العمل البرلماني وعدم تحويل نقاط النظام إلى مواجهات سياسية مفتوحة، مع التشديد على أهمية الحفاظ على صورة المؤسسة التشريعية وضمان سير الأشغال في أجواء مسؤولة.
ويأتي هذا السجال في سياق سياسي متوتر تزداد حدته كلما اقترب موعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، حيث تبدو مختلف الأحزاب منخرطة بشكل مبكر في معركة التموقع واستقطاب الرأي العام. غير أن مراقبين يرون أن ما يجري لا يمكن فصله عن الحسابات الانتخابوية التي بدأت تفرض نفسها بقوة على الخطاب السياسي، في وقت تواجه فيه الساحة الحزبية أزمة حقيقية تتعلق بضعف التمايز بين البرامج والتصورات المطروحة.
ويرى متابعون أن أغلب الأحزاب، سواء داخل الأغلبية أو المعارضة، تتحرك ضمن مرجعيات وخيارات كبرى مستمدة من التوجهات الاستراتيجية للدولة والأطروحات الملكية، ما يجعل هامش الاختلاف البرنامجي محدودا للغاية. وفي ظل غياب مشاريع سياسية متمايزة وقادرة على تقديم بدائل واضحة ومقنعة، تتحول أحيانا النقاشات السياسية إلى صراعات ظرفية تركز على تبادل الاتهامات وتسجيل النقاط أكثر من انشغالها بتقديم حلول عملية للتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المواطنين.
وبين اتهامات المعارضة للحكومة بالتقصير في التفاعل مع البرلمان، ودفاع الأغلبية عن حصيلتها وعن احترامها للمساطر الدستورية، يبرز من جديد سؤال جوهري حول قدرة الفاعلين السياسيين على الارتقاء بالنقاش العمومي من منطق التجاذب الانتخابي إلى منطق التنافس البرامجي الحقيقي، في مرحلة تتطلب أكثر من أي وقت مضى رؤى واضحة وأفكارا مبتكرة قادرة على إقناع الناخبين واستعادة الثقة في العمل السياسي والمؤسساتي.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك