أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)
يضع فوزي لقجع نفسه أمام واحد من أكثر الاختبارات السياسية والمالية تعقيداً، بعدما أصبح اسمه مرتبطاً بشكل مباشر بالتصور المالي لحزب الأصالة والمعاصرة وبرنامجه الانتخابي، الذي يراهن على تعبئة 350 مليار درهم خلال خمس سنوات وتحويل عدد من الوعود الاجتماعية والاقتصادية إلى إجراءات قابلة للتنفيذ والقياس.
ويكتسب حضور لقجع داخل هذا النقاش وزناً خاصاً بالنظر إلى المسار الذي راكمه الرجل في دواليب المالية العمومية، إذ لا يتعامل مع الأرقام والميزانيات من موقع سياسي صرف، وإنما من خلفية تقنية ومالية طويلة، وهو ما يجعل انتقاله إلى العمل السياسي داخل المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة يطرح سؤالاً أساسياً حول قدرته على الجمع بين منطق التدبير المالي ومنطق الالتزام الانتخابي.
ويطرح حزب الأصالة والمعاصرة برنامجاً انتخابياً يقوم على خمسة مواثيق و20 التزاماً، بكلفة إضافية إجمالية تصل إلى 350 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين 2027 و2031، أي بمعدل يقارب 70 مليار درهم سنوياً. وتشمل هذه الالتزامات ملفات القدرة الشرائية، وإدماج الشباب، والمواطنة، والأمان، إلى جانب برامج هيكلية مرتبطة بالنمو والاستدامة.
ويقدم الحزب، في المقابل، تصوراً واضحاً لمصادر تمويل هذه الالتزامات، من خلال 300 مليار درهم يفترض تعبئتها عبر الأثر الإضافي للنمو، و40 مليار درهم من مساهمة الجماعات الترابية عبر حصة الضريبة على القيمة المضافة، فضلاً عن 10 ملايير درهم من إعادة التخصيص وتحسين النجاعة الميزانياتية. كما يتضمن البرنامج مراجعة شاملة للنفقات العمومية خلال الأشهر الستة الأولى، مع توجه نحو تجميع البرامج والمؤسسات المتداخلة ورفع مستوى النجاعة في الإنفاق.
ويحاول لقجع تقديم هذه الأرقام باعتبارها أكثر من مجرد وعود انتخابية، إذ وصف البرنامج بأنه تعاقد يمتد لخمس سنوات، مؤكداً أن الالتزام المالي السنوي يناهز 70 مليار درهم، وأن الرهان الأساسي يتمثل في الانتقال من الخطاب السياسي إلى برنامج محدد الكلفة والآجال.
وتمنح الخلفية المالية للرجل أفضلية واضحة في هذا النوع من الاختبارات، لأن تنفيذ أي برنامج بهذا الحجم لا يتوقف على الإعلان عن الإجراءات، وإنما يحتاج إلى معرفة دقيقة بمصادر التمويل، وهوامش الميزانية، وإعادة ترتيب الأولويات، وقدرة الدولة على تحمل الالتزامات الجديدة دون الإخلال بالتوازنات المالية والاقتصادية.
ويطرح هذا المعطى لقجع باعتباره واحداً من السياسيين الذين يجمعون بين الحضور داخل المجال الحكومي والخبرة التقنية في تدبير المالية العمومية، وهي تركيبة قد تساعده على تحويل البنود المالية الواردة في برنامج البام إلى تصورات أكثر قابلية للتنفيذ، خصوصاً أن البرنامج نفسه يربط وعوده بمصادر تمويل محددة وليس فقط بأهداف عامة.
ويظل التحدي الحقيقي، مع ذلك، مرتبطاً بقدرة أي حكومة مقبلة على تحقيق الافتراضات التي بني عليها البرنامج، وفي مقدمتها تعبئة الموارد الإضافية الناتجة عن النمو وتحسين النجاعة الميزانياتية، لأن الأرقام الكبيرة التي تبدو قابلة للتحقيق على الورق تحتاج إلى ظروف اقتصادية ملائمة وقرارات سياسية وإدارية قادرة على تحويلها إلى اعتمادات فعلية وبرامج ملموسة.
ويضع هذا الواقع لقجع أمام معادلة دقيقة، فخبرته في المالية يمكن أن تساعد على اختبار واقعية الوعود قبل تنفيذها، لكنها في الوقت نفسه تجعله أمام مسؤولية أكبر في حال انتقال الحزب إلى موقع قيادة الحكومة، لأن الناخب لن يحاسب حينها على الشعارات فقط، بل على الأرقام التي قُدمت باعتبارها التزامات قابلة للإنجاز.
ويؤكد لقجع في خطاباته الأخيرة أن النقاش السياسي ينبغي أن يقوم على الأرقام والحجج بدل المزايدات، كما شدد على أن المغاربة أصبحوا قادرين على التمييز بين الوعود الانتخابية والالتزامات التي يمكن قياسها ومحاسبة أصحابها بشأنها.
ويجعل ذلك من تجربة لقجع داخل البام اختباراً يتجاوز مستقبله السياسي الشخصي، ليصبح مرتبطاً بمدى قدرة حزب سياسي على تقديم نموذج مختلف في تدبير البرامج الانتخابية، خصوصاً عندما تكون الوعود مرتبطة بمئات المليارات من الدراهم وبملفات تمس مباشرة القدرة الشرائية والشغل والصحة والتعليم.
وتبقى الخلاصة أن الخبرة المالية تمنح فوزي لقجع أدوات مهمة لفهم كلفة الوعود ومصادر تمويلها وشروط تنفيذها، لكنها لا تشكل وحدها ضمانة للنجاح؛ فالمسافة بين إعداد برنامج انتخابي بالأرقام وتنفيذه على أرض الواقع تمر عبر النمو الاقتصادي، والقرار السياسي، والقدرة المؤسساتية، وحسن تدبير الموارد، وهي كلها عناصر ستحدد في النهاية ما إذا كان مشروع البام سيبقى مجرد تعاقد انتخابي أم سيتحول فعلاً إلى واقع يلمسه المغاربة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك