أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا
دخلت جماعات
ترابية بعدد من جهات المملكة مرحلة جديدة من إعداد مشاريع ميزانيات السنة المالية
2027، في ظل توجيهات ترابية تدعو إلى التعامل بصرامة أكبر مع أزمة الإجهاد المائي
وترشيد النفقات المرتبطة بالمشاريع والبرامج غير المستعجلة، خصوصاً في المناطق
التي تعاني خصاصاً واضحاً في الموارد المائية، وهي خطوة تعكس حجم الضغوط التي
أصبحت تفرضها أزمة الماء على التدبير المحلي وعلى الحياة اليومية للمواطنين.
وشملت هذه
التوجيهات، وفق المعطيات المتداولة، عمال عمالات وأقاليم بجهات الدار البيضاء سطات
والرباط سلا القنيطرة ومراكش آسفي وبني ملال خنيفرة، الذين حثوا رؤساء الجماعات
وأعضاء لجان الميزانية والشؤون المالية والبرمجة على استحضار واقع الإجهاد المائي
عند إعداد الاعتمادات المالية الخاصة بالسنة المقبلة، مع إعادة ترتيب الأولويات
وفق الحاجيات الفعلية للسكان وطبيعة الصعوبات التي تواجهها كل جماعة.
وتأتي هذه
التحركات في وقت شرعت فيه اللجان المختصة داخل عدد من المجالس الجماعية في دراسة
المقترحات والبرامج التي ستشكل أساس مشاريع ميزانيات 2027، الأمر الذي يفرض، وفق
هذا التوجه، مراجعة عدد من النفقات والمشاريع التي كانت تدرج بشكل اعتيادي خلال
السنوات السابقة، مقابل إعطاء الأولوية للماء الصالح للشرب وصيانة الشبكات وتقوية
المنشآت المرتبطة بالتزويد وحماية الموارد المتاحة من مزيد من الاستنزاف.
غير أن دعوات
التقشف وترشيد استعمال المياه تطرح في المقابل سؤالاً أكبر يتجاوز حدود ميزانيات
الجماعات، ويتعلق بكيفية تدبير الثروة المائية الوطنية وتوزيعها بين مختلف
الاستعمالات، خصوصاً في الوقت الذي يعاني فيه عدد من المواطنين من صعوبات في
الحصول على الماء، بينما تستمر في بعض المناطق الزراعات التي تحتاج إلى كميات
كبيرة من الموارد المائية، وفي مقدمتها زراعة الأفوكادو التي أصبحت موضوع نقاش
سياسي وبيئي متزايد في المغرب.
وقد وصل هذا
الجدل إلى المؤسسة التشريعية، حيث تضمنت أسئلة برلمانية مطالب بمراجعة التوسع في
زراعة الأفوكادو في ظل الجفاف والإجهاد المائي، مع الاستناد إلى تقديرات تفيد بأن
إنتاج هذه الفاكهة يحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، وهو ما يعيد إلى الواجهة
النقاش حول ما إذا كانت الأولوية في الظروف الحالية يجب أن تمنح للأمن الغذائي
والمائي الداخلي قبل توجيه جزء من الموارد المحدودة نحو الزراعات الموجهة أساساً
للأسواق الخارجية.
وتزداد حساسية
هذا النقاش عندما يتعلق الأمر بالمياه الجوفية، باعتبارها مورداً استراتيجياً لا
تظهر كلفته الحقيقية دائماً في الحسابات الاقتصادية المباشرة، بينما يحتاج تجددها
إلى سنوات طويلة في عدد من الأحواض المائية، ما يجعل الاستغلال المكثف لها، خصوصاً
في المناطق التي تعرف ضغطاً كبيراً على الفرشات المائية، قضية تتجاوز مصالح
المستثمرين والفلاحين لتصبح مرتبطة بالأمن المائي للأجيال المقبلة.
ويطرح المواطن
المغربي في هذا السياق سؤالاً بسيطاً لكنه شديد الأهمية، وهو كيف يمكن مطالبة
الأسر والجماعات والمرافق العمومية بالتقشف في استعمال الماء، بينما تستمر أنشطة
اقتصادية وزراعية ذات استهلاك مائي مرتفع في مناطق تعاني أصلاً من ندرة الموارد،
وهو سؤال لا يتعلق برفض الاستثمار أو التصدير في حد ذاته، وإنما بضرورة تحديد سقف
واضح للاستعمالات التي يمكن السماح بها عندما يصبح المورد المائي مهدداً.
وتحتاج هذه
الإشكالية إلى سياسة متوازنة تضع الماء قبل الربح السريع، وتربط أي نشاط فلاحي
بحجم الموارد المائية المتاحة في المنطقة وبقدرة الفرشات والسدود والمصادر المحلية
على تحمل الاستغلال، مع إعطاء الأفضلية للمحاصيل التي تلبي حاجيات السوق الوطنية
وتساهم في تعزيز الأمن الغذائي، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة واتساع
الفوارق الاجتماعية وتزايد عدد الأسر التي تجد نفسها أمام صعوبات اقتصادية متراكمة.
وفي هذا
الإطار، لا تبدو الدعوة إلى تقليص بعض النفقات الجماعية كافية لوحدها لمعالجة أزمة
الماء، لأن ترشيد الميزانيات يمكن أن يوفر موارد لتمويل شبكات التزويد والصيانة
والتجهيز، لكنه لا يعالج بالضرورة الضغط الناتج عن الاستغلال الفلاحي المكثف
للمياه الجوفية، ولذلك فإن المعالجة الحقيقية تحتاج إلى سياسة شاملة تراقب مصادر
المياه وتحدد كميات الضخ وتراقب الآبار وتربط الاستثمار الفلاحي بقدرة كل منطقة
على تجديد مواردها.
كما أن تصدير
المنتجات الفلاحية ذات الاستهلاك المائي المرتفع يفتح نقاشاً أوسع حول مفهوم ما
يسمى بالمياه الافتراضية، أي المياه التي تدخل بشكل غير مباشر في إنتاج السلع التي
يتم تصديرها إلى الخارج، وهو ما يجعل قيمة الصادرات لا تقاس فقط بمداخيلها المالية
وفرص الشغل التي توفرها، وإنما كذلك بحجم الموارد الطبيعية التي استعملت في
إنتاجها ومدى قدرة الاقتصاد الوطني على تعويض تلك الموارد أو الحفاظ عليها.
وتشير
المعطيات البرلمانية المنشورة إلى أن ملف أشجار فاكهة الأفوكادو لم يعد مجرد قضية
مرتبطة بالزراعة والتصدير، بل أصبح موضوع مساءلة حول السياسة المائية والفلاحية
وأولويات الأمن المائي، خصوصاً مع استمرار الجفاف وتراجع الموارد المائية في عدد
من المناطق، وهو ما يفرض فتح نقاش مؤسساتي واسع حول الزراعات التي تحتاج إلى كميات
كبيرة من المياه والوجهة التي تذهب إليها المنتجات الناتجة عنها.
وفي المقابل،
ينبغي التمييز بين الاستثمار الزراعي المشروع وبين أي استغلال غير قانوني أو غير
مرخص للمياه، إذ إن الحديث عن سرقة المياه الجوفية أو تهريبها إلى الخارج يتطلب
إثباتات محددة لكل حالة، ولا يمكن تعميم هذه الاتهامات على جميع الشركات أو
المستثمرين، لكن ذلك لا يمنع من المطالبة برقابة أكثر صرامة على الآبار ومضخات
المياه وكميات الاستغلال ومدى احترام القوانين والتراخيص المعمول بها.
وتبرز هنا مسؤولية
الدولة في تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار وحماية الموارد الطبيعية، لأن
الاستثمار الذي يؤدي إلى استنزاف مورد حيوي لا يمكن تقييمه فقط من خلال حجم رأس
المال أو قيمة الصادرات، بل ينبغي قياسه أيضاً بآثاره الاجتماعية والبيئية وبمدى
مساهمته في خلق قيمة حقيقية داخل البلاد، خصوصاً عندما تكون المنطقة التي يحتضن
فيها الاستثمار تعاني أصلاً من خصاص مائي ينعكس على السكان والفلاحين الصغار.
كما أن
الأولوية للأمن الغذائي الداخلي لا تعني بالضرورة إغلاق باب التصدير أو إلغاء
الزراعات التصديرية، وإنما تعني إعادة ترتيب الأولويات وفقاً للظروف المناخية
والمائية لكل موسم ومنطقة، بحيث يتم ضمان حاجيات السوق الوطنية أولاً، وتشجيع
المحاصيل الأقل استهلاكاً للماء، وربط التصدير بمؤشرات واضحة تضمن ألا يتحول الطلب
الخارجي إلى عامل إضافي لاستنزاف الموارد الطبيعية المحدودة.
ويحتاج المغرب،
في ظل استمرار التغيرات المناخية وتذبذب التساقطات، إلى الانتقال من تدبير أزمة
الماء من موسم إلى آخر إلى بناء سياسة طويلة الأمد تقوم على معرفة دقيقة بحجم
الموارد المتاحة وحاجيات السكان والفلاحة والصناعة، مع تعزيز تحلية مياه البحر
وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة وتقليص ضياع المياه في شبكات التوزيع
واعتماد تقنيات الري الأكثر اقتصاداً، بالتوازي مع تشديد مراقبة الموارد الجوفية.
أما على مستوى
الجماعات الترابية، فإن إدراج الإجهاد المائي في إعداد ميزانيات 2027 يمكن أن يشكل
فرصة لإعادة توجيه الإنفاق نحو المشاريع الأكثر ارتباطاً بالحياة اليومية للمواطن،
خصوصاً شبكات الماء والصرف الصحي والصيانة وتجديد التجهيزات وتقوية القدرة على
مواجهة فترات الجفاف، بدلاً من تشتيت الاعتمادات المحدودة على مشاريع يمكن تأجيلها
إلى مراحل لاحقة.
ويكتسي هذا
الأمر أهمية خاصة لأن الوضع المالي للجماعات يفرض بدوره الحذر في ترتيب الأولويات،
إذ أظهرت بيانات تنفيذ ميزانيات الجماعات الترابية عند نهاية يونيو 2026 فائضاً
إجمالياً قدره 8.25 مليارات درهم، مقابل 10.22 مليارات درهم خلال الفترة نفسها من
السنة السابقة، في وقت توجه فيه أجزاء من الفوائض لتغطية النفقات الملتزم بها
والمستحقة الأداء، ما يجعل حسن البرمجة وترشيد الإنفاق أكثر أهمية في المرحلة
المقبلة.
وبينما تتحرك
السلطات الترابية لدفع الجماعات نحو التقشف المائي وإعادة ترتيب نفقاتها، يبقى
المواطن في صلب هذه المعادلة، لأن أزمة الماء بالنسبة إليه ليست مجرد أرقام في
الميزانيات أو مؤشرات في التقارير، وإنما واقع يومي يرتبط بقدرته على الحصول على
مياه الشرب والاستحمام والتنظيف وسقي الأراضي وتلبية حاجيات أسرته الأساسية، ولذلك
فإن أي سياسة مائية ناجحة يجب أن تنطلق أولاً من حماية الحق في الماء وتأمينه بشكل
مستدام.
وتفرض هذه
المعادلة على الدولة والمنتخبين والفاعلين الاقتصاديين إعادة النظر في العلاقة بين
الماء والاستثمار، بحيث لا يكون تحقيق الأرباح والتوسع في الزراعات التصديرية
منفصلاً عن القدرة الحقيقية للبلاد على تحمل استهلاكها المائي، خصوصاً أن المواطن
الذي يطلب منه الاقتصاد في كل لتر من الماء من حقه أيضاً أن يعرف كيف توزع الموارد
المائية الوطنية، ومن يستفيد منها، وما هي الضمانات الموضوعة لحمايتها من
الاستنزاف.
فإن التقشف
المائي داخل ميزانيات الجماعات يمكن أن يكون خطوة ضرورية، لكنه لن يكون كافياً إذا
بقيت معالجة أزمة الماء محصورة في تقليص بعض النفقات المحلية، لأن المعركة
الحقيقية تتعلق بحماية الثروة المائية من جميع مصادر الاستنزاف، وضمان توجيهها نحو
الحاجيات الأكثر إلحاحاً، وعلى رأسها مياه الشرب والأمن الغذائي وحاجيات
المواطنين، بما يضمن ألا يتحول المغرب من بلد يعاني الإجهاد المائي إلى بلد يضطر
فيه المواطن إلى دفع ثمن أزمة الماء بالعطش والحرمان.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك