أنتلجنسيا:أبو جاسر
تترقب الأسر المغربية ما ستقرره الحكومة المقبلة بشأن واحدة من أكثر القضايا التصاقاً بميزانيتها اليومية، بعدما أعادت الزيادة في سعر قنينة غاز البوتان إلى الواجهة سؤالاً مؤجلاً حول مستقبل دعم المواد الأساسية، وفي مقدمتها «البوطا» والسكر والدقيق، في وقت تتسابق فيه الأحزاب السياسية على تقديم وعود بتحسين القدرة الشرائية وتعزيز الدولة الاجتماعية.
وتضع الزيادة الجديدة في سعر قنينة الغاز الأحزاب أمام ملف بالغ الحساسية، بعدما شرعت الحكومة الحالية في تنزيل إصلاح منظومة الدعم بشكل تدريجي، قبل أن يتعثر المسار في محطات لاحقة بفعل الكلفة الاجتماعية والسياسية للقرار، لتنتقل مسؤولية الحسم عملياً إلى الحكومة التي ستفرزها الانتخابات المقبلة.
وتعود جذور الملف إلى تصور سبق الإعلان عنه لإصلاح منظومة الدعم، حيث كان الاتجاه يقضي برفع سعر قنينة الغاز الكبيرة تدريجياً من 40 درهماً إلى 50 درهماً خلال 2024، ثم إلى 60 درهماً في 2025، وصولاً إلى 70 درهماً في 2026، ضمن مسار يروم تقليص الدعم المباشر الموجه إلى المواد المستفيدة من صندوق المقاصة.
ودخلت أولى مراحل الزيادة حيز التنفيذ، قبل أن يتعثر استكمال المسار في سياق اجتماعي وسياسي حساس، خصوصاً مع تصاعد مطالب مرتبطة بالقدرة الشرائية والخدمات الاجتماعية، وهو ما جعل أي خطوة جديدة في اتجاه رفع الدعم تحمل كلفة سياسية واجتماعية أكبر بالنسبة إلى الحكومة.
ويفرض هذا الوضع سؤالاً مباشراً على الأحزاب المتنافسة في الانتخابات: ماذا ستفعل إذا وصلت إلى تدبير الحكومة؟ هل ستستأنف مسلسل رفع الدعم عن «البوطا»؟ أم ستتراجع عنه؟ وكيف ستوازن بين تخفيف الضغط على ميزانية الدولة وحماية الأسر من ارتفاع جديد في كلفة المعيشة؟
وتكشف كلفة الدعم أن تأجيل الزيادات لا يعني اختفاء المشكلة، لأن الدولة تواصل تحمل جزء من الفارق بين كلفة المواد وأسعار بيعها للمستهلك، بينما يتطلب استمرار هذا النموذج موارد مالية يمكن توجيهها إلى قطاعات وبرامج اجتماعية واقتصادية أخرى.
ويمتد النقاش إلى السكر والدقيق، باعتبارهما أيضاً من المواد المرتبطة بمنظومة الدعم، وهو ما يجعل الحكومة المقبلة أمام ملف أوسع من مجرد تحديد سعر قنينة الغاز، إذ سيكون عليها تحديد مستقبل منظومة المقاصة برمتها، ومدى قدرتها على الانتقال من الدعم العام إلى آليات أكثر استهدافاً للفئات المستحقة.
وتضع هذه المعادلة البرامج الانتخابية للأحزاب أمام اختبار حقيقي، لأن الحديث عن تحسين الدخل ورفع الأجور ودعم القدرة الشرائية يظل ناقصاً ما لم يترافق مع موقف واضح من الأسعار التي تؤثر بشكل مباشر في الحياة اليومية للمغاربة.
وتحتاج الأسر، قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع، إلى معرفة ما إذا كانت الوعود الانتخابية ستشمل فعلاً حماية قدرتها الشرائية، أم أن الحكومة المقبلة ستجد نفسها مضطرة إلى مواصلة قرارات رفع الدعم التي سبق أن بدأت، مع ما قد يترتب عنها من زيادات إضافية في أسعار المواد الأساسية.
وتكشف هذه القضية تحديداً حجم الفارق بين الخطاب الانتخابي والتدبير الحكومي، إذ يمكن للأحزاب أن تعد المغاربة بتحسين ظروف العيش، لكن الاختبار الحقيقي سيبدأ عندما تجد نفسها أمام قرارات مالية صعبة تتطلب المفاضلة بين استدامة ميزانية الدولة وكلفة المعيشة اليومية للمواطن.
وتجعل الانتخابات المقبلة ملف «البوطا» أمام امتحان سياسي واضح، بعدما ظل لسنوات واحداً من أكثر الملفات حساسية في علاقة الدولة بالمواطن، خصوصاً أن أي تغيير في سعر الغاز لا يتوقف أثره عند القنينة نفسها، بل يمكن أن ينعكس على تكاليف النقل والإنتاج والخدمات والأسعار بشكل عام.
وتنتظر الكرة، في نهاية المطاف، ملعب الحكومة المقبلة، التي ستكون مطالبة ليس فقط بتقديم برنامج انتخابي جذاب، وإنما بكشف حساباتها بوضوح أمام المغاربة: هل ستواصل إصلاح منظومة الدعم؟ وهل ستستكمل رفع الدعم عن الغاز والسكر والدقيق؟ وما البدائل التي ستوفرها لحماية الأسر؟ ومن سيتحمل الكلفة النهائية لهذه القرارات؟
ويصبح مستقبل «البوطا» بذلك واحداً من الاختبارات الأكثر حساسية للحكومة المقبلة، لأن المغاربة لن يقيسوا قدرتها على الوفاء بوعودها من خلال الأرقام والشعارات فقط، وإنما من خلال ما سيحدث فعلياً في مصاريف الأسر وأسعار المواد الأساسية وقدرتها على مواجهة كلفة الحياة اليومية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك