أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)
عاد مطلب الملكية البرلمانية إلى قلب النقاش السياسي المغربي بقوة غير مسبوقة منذ سنوات، بعد أن ظل لفترة طويلة حبيس أدبيات بعض مكونات اليسار الراديكالي والنخب الحقوقية والأكاديمية.
ومع اقتراب الانتخابات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر 2026، وجد هذا الشعار التاريخي طريقه مجدداً إلى واجهة السجال العمومي، مدفوعاً بتحولات سياسية وتنظيمية داخل اليسار المغربي، خصوصاً بعد التقارب والتحالف الذي جمع بين فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، وما رافقه من إعادة إحياء لمطالب الإصلاح الدستوري والسياسي التي ظلت مطروحة منذ عقود.
من حلم الحركة الوطنية إلى شعار اليسار الديمقراطي
لم يولد مطلب الملكية البرلمانية في المغرب مع الحركات السياسية المعاصرة، بل تعود جذوره إلى السنوات الأولى للاستقلال، حين بدأت تتشكل داخل الحركة الوطنية تصورات مختلفة حول طبيعة النظام السياسي والمؤسسات الدستورية.
غير أن هذا المطلب أخذ طابعه الواضح والمنظم مع بروز قوى اليسار خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، التي كانت ترى أن بناء دولة المؤسسات يمر عبر ربط السلطة التنفيذية بالإرادة الشعبية المعبر عنها من خلال صناديق الاقتراع.
وخلال عقود طويلة، اعتبر اليسار المغربي أن الانتقال الديمقراطي الحقيقي يقتضي أن تصبح الحكومة منبثقة بشكل كامل عن الأغلبية البرلمانية، وأن تكون مسؤولة أمام البرلمان المنتخب، مع احتفاظ المؤسسة الملكية بدورها التحكيمي والرمزي والاستراتيجي باعتبارها الضامن لاستقرار الدولة ووحدتها واستمراريتها.
ولم يكن هذا التصور معزولاً عن التجارب الدستورية الأوروبية الحديثة، حيث تطورت الملكيات الدستورية في عدد من الدول إلى ملكيات برلمانية تمنح للحكومات المنتخبة صلاحيات واسعة في تدبير الشأن العام، بينما تحتفظ المؤسسة الملكية بوظائف السيادة والتمثيل والرمزية الوطنية.
1998..سنة التحول الكبرى والانتكاسة السياسية
عندما قاد الراحل عبد الرحمن اليوسفي حكومة التناوب التوافقي سنة 1998، اعتقد كثيرون أن المغرب دخل مرحلة انتقالية ستقود تدريجياً إلى تحقيق جزء مهم من المطالب التاريخية للحركة الديمقراطية، وفي مقدمتها تعزيز سلطة المؤسسات المنتخبة وتوسيع هامش القرار الحكومي.
غير أن ما اعتبره جزء من اليسار آنذاك "لحظة تاريخية"، تحول لاحقاً في نظر العديد من المنتقدين إلى محطة تراجعت خلالها المطالب الإصلاحية الكبرى لصالح منطق المشاركة في السلطة. فبدل أن تتحول حكومة التناوب إلى مدخل لتعديل عميق في بنية النظام السياسي، وجد جزء من اليسار نفسه مندمجاً في تدبير الشأن الحكومي ضمن قواعد دستورية لم تكن تستجيب بالكامل لطموحاته السابقة.
ومنذ ذلك التاريخ، بدأت شعارات من قبيل الملكية البرلمانية تتراجع تدريجياً من الخطاب الرسمي لأحزاب كانت تتبناها لعقود، في مقابل التركيز على الإصلاحات التدريجية والمشاركة المؤسساتية.
واعتبر عدد من المفكرين والسياسيين أن سنة 1998، شكلت نقطة انعطاف كبرى انتقل فيها جزء من اليسار من موقع المطالبة بالتغيير البنيوي إلى موقع تدبير الممكن السياسي.
دستور 2011..إصلاح مهم أم محطة غير مكتملة؟
جاءت أحداث سنة 2011 في سياق إقليمي استثنائي لتعيد النقاش حول الإصلاحات الدستورية إلى الواجهة.
وقد أقر المغرب دستوراً جديداً، وسع من صلاحيات رئيس الحكومة وعزز بعض آليات الحكامة والرقابة البرلمانية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
لكن رغم أهمية هذه التعديلات، استمرت أصوات سياسية وحقوقية، في التأكيد على أن المسار الإصلاحي لم يبلغ بعد سقف الملكية البرلمانية كما هو معمول به في عدد من الديمقراطيات المعاصرة.
واعتبرت هذه الأطراف أن التطور الدستوري الذي عرفه المغرب يظل خطوة ضمن مسار أطول، يتطلب إعادة توزيع أوسع للصلاحيات وتعزيز مكانة المؤسسات المنتخبة.
في المقابل، ترى أطراف أخرى، أن خصوصية النموذج المغربي تفرض مساراً إصلاحياً متدرجاً ومتوازناً يراعي الاستقرار السياسي والمؤسساتي، وأن أي تغيير جوهري ينبغي أن يتم ضمن توافق وطني واسع.
2026..عودة المطلب من بوابة التحالف اليساري
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، عاد شعار/مطلب الملكية البرلمانية إلى الواجهة السياسية بشكل لافت.
ويبدو أن التحالف، الذي تشكل بين فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، أعاد إحياء جزء مهم من المرجعية الفكرية والتاريخية لليسار الإصلاحي المغربي.
ففي الوقت الذي تعاني فيه الأحزاب التقليدية من تراجع الثقة الشعبية وارتفاع نسب العزوف السياسي، يحاول هذا التيار تقديم نفسه باعتباره حاملاً لمشروع إصلاحي جديد يعيد طرح أسئلة توزيع السلطة، وفعالية المؤسسات، وربط القرار السياسي بالإرادة الشعبية.
ويرى أنصار هذا التوجه أن النقاش حول الملكية البرلمانية، لم يعد مجرد مطلب أيديولوجي خاص باليسار، بل أصبح جزءاً من نقاش أوسع حول مستقبل النموذج السياسي المغربي وقدرته على مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.
بين الواقعية السياسية وطموح الإصلاح
إعادة طرح الملكية البرلمانية سنة 2026، لا تعني بالضرورة وجود توافق سياسي واسع حولها، كما لا تعني أن هذا المطلب أصبح قريب التحقق. فالمشهد الحزبي المغربي لا يزال منقسماً بشأن طبيعة الإصلاحات المطلوبة وأولويات المرحلة المقبلة.
غير أن مجرد عودة هذا الشعار إلى النقاش العمومي بعد سنوات من التراجع، يعكس وجود تيار سياسي يعتبر أن الأسئلة الكبرى المتعلقة ببنية السلطة وتوازن المؤسسات لم تُحسم نهائياً، وأن النقاش الدستوري سيظل حاضراً كلما اقتربت البلاد من استحقاقات سياسية كبرى.
ومع اقتراب موعد 23 شتنبر 2026، يبدو أن معركة البرامج الانتخابية لن تقتصر على الملفات الاقتصادية والاجتماعية فقط، بل ستشمل أيضاً رؤى متباينة حول مستقبل الإصلاح السياسي في المغرب.
وبين من يعتبر الملكية البرلمانية أفقاً ديمقراطياً طبيعياً يجب العمل على بلوغه، ومن يرى أن الأولوية ينبغي أن تظل للاستقرار والتدرج، تعود واحدة من أكثر القضايا السياسية حساسية وإثارة للجدل، لتحتل موقعاً متقدماً في النقاش الوطني، في مؤشر على أن أسئلة الإصلاح العميق لم تغادر الساحة السياسية المغربية، بل كانت تنتظر فقط اللحظة المناسبة للعودة بقوة إلى الواجهة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك