أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي
مقدمة
قضية تدبير الدولة المغربية لملف المعتقلين الإسلاميين من أكثر القضايا تعقيدا في المشهد السياسي والحقوقي المغربي المعاصر. فمنذ الهجمات الإرهابية التي هزت مدينة الدار البيضاء في 16 ماي 2003، وخلفت 45 قتيلا وعشرات الجرحى، دخلت المملكة في مواجهة مفتوحة مع ما بات يعرف بـ (السلفية الجهادية) [4]. هذه المواجهة لم تكن أمنية صرفة فحسب، بل امتدت لتشمل أبعادا قانونية، فكرية، وحقوقية، مما جعل من هذا الملف مختبرا حقيقيا لقدرة الدولة على الموازنة بين متطلبات الحفاظ على الأمن القومي والالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
تأتي هذه الدراسة لتحلل المسار الذي سلكته الدولة المغربية في إدارة هذا الملف، منطلقة من فرضية مفادها أن المقاربة المغربية، رغم تميزها ببعض الآليات الإدماجية مثل برنامج (مصالحة) [2]، إلا أنها ظلت محكومة بمنطق (الأمننة) الذي أدى إلى استثناء هذا الملف من مسار العدالة الانتقالية الشاملة، مما خلق حدودا واضحة أمام إمكانية التوصل إلى تسوية حقوقية نهائية.
الإشكالية
تتمحور الإشكالية الرئيسية لهذه الدراسة حول التساؤل التالي: كيف ساهمت المقاربة الأمنية المغربية في تشكيل واقع ملف المعتقلين الإسلاميين، وما هي العوائق البنيوية التي تحول دون انتقال هذا الملف من دائرة (إدارة الخطر) إلى أفق (العدالة الشاملة)؟
وينبثق عن هذه الإشكالية مجموعة من التساؤلات الفرعية:
1. ما هي المرتكزات الأساسية للمقاربة الأمنية المغربية في التعامل مع المعتقلين الإسلاميين؟
2. كيف تم توظيف برامج المراجعات الفكرية والإفراجات المتدرجة كأدوات لتفكيك الملف؟
3. ما هي التداعيات الحقوقية لاستثناء هذا الملف من مسار هيئة الإنصاف والمصالحة؟
4. ما هي المتطلبات الأساسية لتحقيق إغلاق نهائي لهذا الملف بما يضمن الإنصاف والعدالة، وما الذي يمكن استخلاصه في هذا الصدد من تجارب دول أخرى واجهت إشكالية مماثلة؟
أهمية الدراسة
تستمد هذه الدراسة أهميتها من كونها تتناول ملفا لا يزال مفتوحا ويؤثر بشكل مباشر على استقرار النسيج المجتمعي المغربي. فمن الناحية الأكاديمية، تساهم الدراسة في فهم ديناميكيات العلاقة بين الدولة والتيارات الإسلامية المتشددة في سياق التحولات الديمقراطية المتعثرة. ومن الناحية العملية، تقدم الدراسة رؤية نقدية للمقاربات المعتمدة، مقارنة بتجارب دولية مشابهة، مما قد يساعد في بلورة توصيات تساهم في طي هذا الملف بشكل يحترم حقوق الإنسان ويضمن عدم تكرار الانتهاكات.
المنهج
تعتمد الدراسة على المنهج التحليلي النقدي، الذي يسعى لتجاوز الوصف السطحي للإجراءات الأمنية نحو فهم الخلفيات الإيديولوجية والسياسية التي تحكمها. كما توظف الدراسة المنهج السوسيولوجي في تحليل مسارات المعتقلين وتحولات خطابهم، بالإضافة إلى المنهج القانوني المقارن لتقييم مدى مواءمة التشريعات المغربية (خاصة قانون مكافحة الإرهاب رقم 03.03) [15] مع المعايير الحقوقية الدولية، وكذا المنهج المقارن الذي يوظف في استقراء تجارب دول عربية وإسلامية أخرى (السعودية، اليمن، مصر، الجزائر) في تدبير ملفات مماثلة. وتستند المادة العلمية للدراسة إلى تقارير حقوقية وطنية ودولية، دراسات أكاديمية رصينة، وشهادات ميدانية، بالإضافة إلى تحليل للوثائق الرسمية الصادرة عن مؤسسات الدولة.
مرتكزات المقاربة الأمنية في تدبير ملف المعتقلين الإسلاميين
شكلت أحداث 16 ماي 2003 نقطة تحول جذري في السياسة الأمنية المغربية. فقد انتقلت الدولة من مرحلة التجاهل أو الاستخفاف بالخطر السلفي إلى مرحلة الاستنفار الشامل. هذه المرحلة تميزت بتبني مقاربة متعددة الأبعاد، لكنها تظل محكومة في جوهرها بالمنطق الأمني [4].
من أهم سمات المقاربة المغربية هو رفضها المطلق للدخول في مفاوضات جماعية مع المعتقلين الإسلاميين ككتلة واحدة. هذا التوجه نابع من قراءة أمنية ترى أن التيار السلفي الجهادي في المغرب لا يشكل تنظيماً هرمياً موحداً، بل هو عبارة عن خلايا عنقودية أو ذئاب منفردة. بناء على ذلك، نهجت الدولة سياسة التفكيك الفردي، حيث يتم التعامل مع كل معتقل بناء على ملفه الشخصي ومدى استعداده للمراجعة [11].
بدأت هذه السياسة تتبلور بشكل واضح مع مبادرة أحمد حرزني (رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان آنذاك) في عام 2008. اشترطت هذه المبادرة على المعتقلين الراغبين في الاستفادة من العفو تقديم إفادات كتابية تتضمن:
التبرؤ الصريح من العنف والإرهاب.
نبذ فكر التكفير.
الاعتراف بشرعية المؤسسات الوطنية، وعلى رأسها الملكية [9].
هذا النهج يهدف إلى تذويب الكتلة المعتقلة ومنع تشكل قيادات داخل السجون يمكنها التفاوض من موقع قوة. فالدولة تسعى دائما لأن تظل هي الطرف المانح للعفو بناء على شروطها، وليس طرفا في اتفاق سياسي.
يتجلى هذا المنطق بوضوح في التعامل المتفاوت مع رموز السلفية الجهادية أنفسهم: فبينما استفاد الشيخ محمد الفزازي والشيخ عبد الكريم الشاذلي من عفو ملكي في 14 أبريل 2011 ضمن دفعة شملت 190 سجينا، تأخر الإفراج عن الشيخ حسن الكتاني والشيخ محمد عبد الوهاب رفيقي (أبو حفص) والشيخ عمر الحدوشي إلى فبراير 2012، ضمن دفعة أخرى [24]. هذا التفاوت الزمني، رغم تشابه الملفات والتهم، يعكس تقييما أمنيا فردانيا لدرجة المراجعة ولمدى الاستعداد الشخصي للانخراط في الخطاب الرسمي، وليس تسوية جماعية موحدة المعايير.
الإفراجات المتدرجة وبرامج المراجعات الفكرية
تعتبر آلية "العفو الملكي" الأداة الرئيسية التي تستخدمها الدولة لتنفيس الاحتقان داخل ملف المعتقلين الإسلاميين. فبدلا من إصدار عفو شامل، تفضل الدولة نظام التقسيط، حيث يتم الإفراج عن دفعات صغيرة من المعتقلين في المناسبات الوطنية والدينية (مثل عيد العرش، ذكرى ثورة الملك والشعب) [6].
ولإضفاء طابع علمي وتربوي على هذه الإفراجات، أطلقت المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، بشراكة مع الرابطة المحمدية للعلماء والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، برنامج (مصالحة) في عام 2017. يرتكز هذا البرنامج على أربعة محاور أساسية:
1. المصالحة مع الذات: عبر المواكبة النفسية وتصحيح التمثلات الشخصية.
2. المصالحة مع النص الديني: من خلال تفكيك الخطاب المتطرف وتقديم قراءة وسطية للنصوص.
3. المصالحة مع المجتمع: عبر تعزيز قيم المواطنة والقبول بالآخر.
4. المصالحة مع النظم القانونية: من خلال تعريف المعتقلين بحقوقهم وواجباتهم في إطار دولة القانون [2].
على الرغم من النجاحات التي حققها هذا البرنامج في إعادة إدماج العشرات من المعتقلين، إلا أن منتقديه يرون فيه أداة أمنية بـ قناع فكري، حيث يظل الهدف الأخير هو ضمان (التوبة) السياسية للمعتقل مقابل حريته، دون معالجة الجذور السوسيواقتصادية الادماج الاجتماعي [8].
يستشهد غالبا بمسار الشيخ محمد الفزازي كنموذج لـ (نجاح) برامج المراجعة من منظور الدولة: فبعد أن حكم عليه بالسجن ثلاثين عاماً إثر تفجيرات 2003، وبعد مراجعات فكرية أعلنها وهو رهن الاعتقال، انتقل من السجن إلى القصر، إذ ألقى خطبة الجمعة أمام الملك محمد السادس بمدينة طنجة سنة 2014 [25]. في المقابل، يرى منتقدو البرنامج أن هذا المسار الفردي، وإن كان مؤشرا على إمكانية التحول الفكري، لا يمكن تعميمه كدليل على معالجة شاملة وعادلة لملف يضم مئات الحالات المتفاوتة الظروف.
حدود المقاربة الأمنية والمنطق الاستثنائي
على الرغم من المرونة التي تبديها الدولة أحيانا، إلا أن المقاربة الأمنية تظل محكومة بحدود بنيوية تجعل من ملف المعتقلين الإسلاميين استثناء في مسار الانتقال الحقوقي المغربي.
يعتبر استثناء معتقلي السلفية الجهادية من مسار هيئة الإنصاف والمصالحة (IER) من أكبر الثغرات في تجربة العدالة الانتقالية المغربية. فبينما سعت الهيئة إلى طي صفحة (سنوات الرصاص) (1956-1999) عبر جبر الضرر وكشف الحقيقة، تم التعامل مع ملفات ما بعد 2003 كملفات (إرهاب) لا تخضع لنفس المعايير [10].
هذا الاستثناء خلق واقعا يعرف بـ (أمننة الحقوق)، حيث يتم تعليق الضمانات الحقوقية الأساسية بدواعي الحفاظ على الأمن. فالمعتقل السلفي الذي تعرض للتعذيب أو الاختطاف في مراكز الاعتقال السرية (مثل تمارة) لم يجد طريقا للإنصاف ضمن آليات العدالة الانتقالية، لأن الدولة تعتبر أن خطر هؤلاء يبرر الاستثناء في التعامل معهم [3]. وبذلك، تحولت العدالة من حق كوني إلى منحة مشروطة بحسن السلوك الأمني.
من المؤشرات الدالة على حدود هذه المقاربة أن الملك محمد السادس نفسه أقر بوجود تجاوزات شابت محاكمات المعتقلين، في حوار شهير مع صحيفة (إلبايس) الإسبانية بتاريخ 16 يناير 2005 [25]. هذا الاعتراف الرسمي، رغم أهميته الرمزية، لم يترجم إلى آلية مؤسسية للإنصاف مماثلة لتلك التي وفرتها هيئة الإنصاف والمصالحة لضحايا (سنوات الرصاص)، مما يكرس الطابع الاستثنائي والانتقائي للعدالة في هذا الملف.
تجارب دولية مقارنة في إنهاء ملفات المعتقلين الإسلاميين
لا تنفرد المملكة المغربية بمواجهة إشكالية تدبير ملفات المعتقلين الإسلاميين وإعادة إدماجهم فقد جربت عدة دول عربية وإسلامية مقاربات متنوعة تتراوح بين (الاحتواء الفكري) و(المصالحة الوطنية الشاملة)، وتقدم هذه التجارب دروسا مقارنة مفيدة لفهم حدود وإمكانات التجربة المغربية.
التجربة السعودية: مركز محمد بن نايف للمناصحة والرعاية
أسست السعودية سنة 2004 برنامجا متكاملا لإعادة تأهيل المعتقلين السلفيين يقوم على ثلاث مراحل متتالية: مرحلة "المعالجة الفكرية" داخل السجون عبر المناصحة الفردية والجماعية، ثم مرحلة (التأهيل) داخل مركز محمد بن نايف الذي يوفر برامج معرفية وتدريبية ورياضية في بيئة مغايرة لبيئة السجن، وأخيرا مرحلة (الرعاية) اللاحقة للتخرج التي تشمل متابعة أسرية واجتماعية للمستفيد وأسرته [16][17]. ويعتمد المركز على نحو 400 أستاذ متخصص في الشريعة والتاريخ وعلم النفس [17]. ويشترك هذا النموذج مع برنامج (مصالحة) المغربي في الاعتماد على المراجعة الفكرية الدينية، لكنه يتميز عنه بضخامة الموارد المؤسسية المخصصة له وبإدماج مرحلة (رعاية) ممتدة بعد الإفراج، وهو ما يظل محدودا نسبيا في التجربة المغربية.
التجربة اليمنية: لجنة الحوار الفكري
شكلت (لجنة الحوار الفكري) التي أسسها القاضي حمود الهتار سنة 2002 تجربة رائدة في الحوار المباشر مع معتقلي تنظيم القاعدة، حيث اعتمدت على مناظرات دينية مباشرة بين علماء دين وسجناء حول شرعية (الجهاد) المسلح [12][13]. غير أن هذه التجربة تعرضت لانتقادات واسعة بعد عودة عدد ممن أفرج عنهم إلى صفوف التنظيم رغم تعهدهم بنبذ العنف [13]، مما يكشف عن محدودية الاعتماد على التوبة المعلنة كمعيار وحيد للإفراج، في غياب آليات متابعة ميدانية صارمة بعد التحرر من السجن، وهو تحد يطرح نفسه أيضا في السياق المغربي حين يقتصر التقييم على الإفادات الكتابية.
التجربة المصرية: مراجعات الجماعة الإسلامية
انطلقت (الجماعة الإسلامية) المصرية، التي تحملت مسؤولية الجزء الأكبر من أعمال العنف في مصر خلال الثمانينيات والتسعينيات، في مراجعات فكرية شاملة ابتداء من يوليوز 1997 [20]، أعقبتها لاحقا مراجعات مماثلة لقيادات (تنظيم الجهاد) على رأسهم سيد إمام الشريف (الدكتور فضل) [20]. وتميزت هذه المراجعات بكونها لم تقتصر على نبذ العنف، بل امتدت لتشمل نقدا فقهيا جذريا لمفاهيم (التكفير) و(الحاكمية) التي تأسس عليها الخطاب الجهادي [21]. ويكمن الفارق الجوهري بين التجربتين المصرية والمغربية في أن المراجعات المصرية صدرت في الغالب عن مبادرة ذاتية من داخل التنظيمات نفسها، بينما ظلت المراجعات المغربية أقرب إلى شرط مؤسسي مسبق يفرضه المصالحة الرسمية للاستفادة من العفو.
التجربة الجزائرية: من قانون الرحمة إلى ميثاق السلم والمصالحة الوطنية
تعتبر الجزائر النموذج الأبرز في المنطقة على مستوى (المصالحة الوطنية الشاملة) بعد صراع مسلح دام قرابة عقد كامل. فقد مرت التجربة الجزائرية بثلاث محطات تشريعية متتالية (قانون الرحمة) سنة 1995، ثم (قانون الوئام المدني) سنة 2000، وصولا إلى (ميثاق السلم والمصالحة الوطنية) الذي أقرّه استفتاء شعبي في 29 شتنبر 2005 بموافقة 97% من المصوتين [22][23]. ومنح الميثاق عفوا عاما عن غالبية عناصر الجماعات المسلحة، باستثناء من تورطوا في الاغتصاب أو المجازر الجماعية أو التفجيرات العامة، مع تقديم تعويضات لأسر الضحايا والمفقودين [22]. ورغم اتساع نطاق هذا العفو مقارنة بالنموذج المغربي القائم على (التقسيط) الفردي، فإن التجربة الجزائرية لم تخل بدورها من انتقادات حقوقية، أبرزها إفلات مرتكبي انتهاكات جسيمة من المساءلة تحت غطاء (المصالحة)، واستمرار احتجاز بعض السجناء المصنفين خارج شروط العفو حتى وفاة بعضهم داخل السجن [23].
ما الذي يمكن أن يستفيد منه المغرب؟
يكشف التحليل المقارن لتجارب كل من السعودية واليمن والجزائر، إلى جانب التجربة المغربية، أن معالجة ملف المعتقلين على خلفية قضايا التطرف لا تتوقف عند قرار الإفراج أو نجاح الحوار الفكري، بل ترتبط بمنظومة متكاملة تشمل التأهيل النفسي والاجتماعي، والإدماج الاقتصادي، والمتابعة المؤسساتية، والإطار القانوني المنظم للمصالحة. ومن هذا المنطلق يمكن استخلاص ثلاثة دروس رئيسية بالنسبة للحالة المغربية.
ومن ثم فإن نجاح أي برنامج للمراجعات لا ينبغي أن يقاس بعدد المستفيدين أو بعدد قرارات العفو، وإنما بقدرته على تحقيق اندماج مستدام يحول دون العودة إلى العزلة الاجتماعية.
ويحمل هذا الدرس أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، إذ ينبغي النظر إلى برامج المصالحة باعتبارها جزءا من سياسة عمومية أشمل تعالج عوامل الهشاشة الاجتماعية، والبطالة، والإقصاء، والأزمات الأسرية، إضافة إلى مكافحة الخطابات المتشددة في الفضاء الرقمي. فالتطرف ظاهرة مركبة لا تنتج عن خلل فكري فقط، وإنما عن تفاعل معقد بين عوامل فكرية ونفسية واجتماعية واقتصادية وسياسية، الأمر الذي يقتضي اعتماد مقاربة متعددة الأبعاد بدل الاقتصار على المقاربة الأمنية أو الدينية وحدها.
أما في المغرب، فيعتمد تدبير الملف أساسا على آلية العفو الملكي المرتبطة غالبا بالاستفادة من برنامج (مصالحة)، وهو ما يجعل تسوية الملف تتم بصورة تدريجية وفردية، بحيث يخضع كل معتقل لمسار مستقل عن غيره. وقد حقق هذا النموذج نتائج إيجابية في الحفاظ على الاستقرار وتجنب المقاربات الجماعية غير المنضبطة، إلا أنه يجعل الملف مفتوحا زمنيا، ويؤخر الوصول إلى تسوية نهائية وشاملة.
ولا يعني ذلك بالضرورة الدعوة إلى استنساخ النموذج الجزائري، وإنما الاستفادة من فلسفته في بناء رؤية وطنية متكاملة، تجمع بين العدالة وسيادة القانون ومتطلبات الأمن، مع مراعاة الخصوصية الدستورية والمؤسساتية للمغرب. فالمطلوب ليس مصالحة شاملة على حساب العدالة، ولا عدالة تؤدي إلى تعطيل المصالحة، وإنما إيجاد توازن يحقق الأمن المجتمعي، ويحفظ حقوق الضحايا، ويفتح في الوقت نفسه مسارات واضحة لإعادة الإدماج.
وخلاصة القول، فإن المقارنة بين هذه التجارب تؤكد أن نجاح المغرب في تطوير سياسة أكثر فاعلية تجاه هذا الملف يقتضي الانتقال من التركيز على الإفراج الفردي والمراجعات الفكرية إلى تبني مقاربة عمومية متكاملة، تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والقانونية والدينية والاجتماعية والاقتصادية، بما يجعل المصالحة عملية مستمرة لإعادة بناء الثقة بين الفرد والدولة، وليس مجرد إجراء قانوني ينتهي بقرار الإفراج. فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في إخراج
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك