حين يتحدث لقجع بلغة الأرقام ترتبك حسابات الخصوم وخارطة طريق لإعادة التوازن بين حماية المواطن واستقرار المالية العمومية

حين يتحدث لقجع بلغة الأرقام ترتبك حسابات الخصوم وخارطة طريق لإعادة التوازن بين حماية المواطن واستقرار المالية العمومية
ديكريبتاج / الجمعة 04 شتنبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو جاسر

لا يشكل فوزي لقجع مجرد فاعل سياسي داخل المشهد الحزبي المغربي، بل يعد قبل ذلك أحد أبرز الأطر التقنية المتخصصة في تدبير المالية العمومية وقراءة المؤشرات الاقتصادية، وهو ما يجعل مداخلاته محط اهتمام واسع داخل الأوساط السياسية والاقتصادية. فالرجل الذي راكم تجربة طويلة في تدبير الملفات المالية للدولة يتحدث عادة بلغة الأرقام والمعطيات الدقيقة، الأمر الذي يمنحه قدرة على مقاربة القضايا الاقتصادية من زاوية تقنية تجعل خصومه أمام معطيات يصعب مجاراتها بالشعارات أو الخطابات العامة.

ومن مدينة فاس، اختار عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة والوزير المنتدب المكلف بالميزانية أن يضع مجموعة من التصورات والمقترحات التي تهم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمغاربة، مؤكداً أن التحديات المطروحة اليوم تستوجب حلولاً عملية تستند إلى الواقعية وإلى فهم دقيق للإمكانات المالية للدولة، بعيداً عن المزايدات السياسية والوعود التي يصعب تنزيلها على أرض الواقع.

وخلال التجمع الجهوي للحزب، أوضح لقجع أن الاختلاف بين الأحزاب السياسية ينبغي أن يتمحور حول نوعية الحلول المقترحة ومدى قابليتها للتطبيق، معتبراً أن المواطن لم يعد ينتظر فقط توصيف المشاكل، بل يبحث عن مبادرات قادرة على تحسين ظروف عيشه مع الحفاظ على التوازنات الاقتصادية والمالية التي تضمن استقرار البلاد.

وفي معرض تناوله للأوضاع الاجتماعية، توقف عند التأثير المتزايد لارتفاع تكاليف المعيشة على الأسر المغربية، مشيراً إلى أن فئة المتقاعدين توجد في مقدمة المتضررين بسبب محدودية المعاشات التي يتقاضاها عدد كبير منهم. ودعا في هذا السياق إلى العمل على الرفع التدريجي للمعاشات الضعيفة وتقريبها من مستوى الحد الأدنى للأجور بما يضمن العيش الكريم لهذه الفئة، كما دافع عن استمرار استفادة الأرملة من المعاش الكامل بعد وفاة الزوج، بالنظر إلى استمرار الالتزامات الأسرية والمصاريف المعيشية.

وفي الوقت نفسه، لم يخف المسؤول الحكومي حجم الإكراهات التي تواجه صناديق التقاعد، معتبراً أن إصلاحها أصبح ضرورة ملحة، غير أن أي معالجة لهذا الملف يجب أن تراعي حماية الحقوق الاجتماعية للمواطنين وعدم تحميلهم كلفة الاختلالات المتراكمة.

ومن بين المقترحات التي أثارت اهتمام الحاضرين، دعوته إلى تمكين الأسر الهشة في العالم القروي من الاستفادة من الكهرباء مجاناً عندما يبقى الاستهلاك الشهري في حدود 100 درهم، معتبراً أن هذا الإجراء يمكن أن يخفف الضغط المالي عن آلاف الأسر ويساهم في تعزيز العدالة الاجتماعية داخل المناطق القروية.

وفي الجانب الجبائي، قدم لقجع تصوراً يرمي إلى تعزيز القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة والأجراء من خلال إعفاء الأجور التي تقل عن 15 ألف درهم شهرياً من الضريبة على الدخل، مع اعتماد سقف ضريبي لا يتجاوز 10 في المائة بالنسبة للأجور التي تتراوح بين 15 ألفاً و100 ألف درهم. ويرى أن هذا التوجه من شأنه أن يعيد جزءاً مهماً من الموارد المالية إلى الأسر المغربية ويمكنها من مواجهة متطلبات الحياة اليومية في ظل الضغوط الاقتصادية الراهنة.

كما تطرق إلى إشكالية ارتفاع أسعار الخضر والفواكه، موضحاً أن الفلاح لا يستفيد في كثير من الأحيان من الأسعار المرتفعة التي يؤديها المستهلك، بسبب تعدد حلقات الوساطة والمضاربة داخل سلاسل التوزيع. وشدد على أن إصلاح هذا الوضع يقتضي إعادة تنظيم مسالك التسويق ومحاصرة الممارسات التي تؤدي إلى تضخم الأسعار بشكل غير مبرر، بما يحقق التوازن بين مصالح المنتجين وقدرة المواطنين على الاستهلاك.

وفي ملف التعليم، اعتبر أن مؤشرات الهدر المدرسي ما تزال مقلقة وتفرض تسريع وتيرة الإصلاحات الرامية إلى إعادة إدماج الشباب وتأهيلهم لسوق الشغل، مؤكداً أن التنمية الحقيقية تمر عبر الاستثمار في الرأسمال البشري وتوفير الظروف التي تسمح للشباب ببناء مشاريعهم الخاصة والمساهمة في خلق الثروة.

أما في قطاع الصحة، فأقر باستمرار عدد من الاختلالات التي تؤثر على جودة الخدمات داخل بعض المؤسسات الاستشفائية العمومية، داعياً إلى تعزيز الاستثمارات وتطوير البنيات الصحية وتحسين ظروف الاستقبال والعلاج حتى يتمكن المواطن من الولوج إلى خدمات صحية تستجيب لتطلعاته.

وفي الشق الاستراتيجي، شدد لقجع على أهمية تعزيز السيادة الوطنية في مجالات الماء والطاقة والبحث العلمي، معتبراً أن التحولات الدولية المتسارعة تفرض على المغرب تسريع المشاريع المرتبطة بالأمن المائي عبر السدود وتحلية مياه البحر، إلى جانب تقوية القدرات الوطنية في مجال الطاقة وتوفير احتياطات استراتيجية قادرة على مواجهة التقلبات الخارجية.

وختم لقجع مداخلته بالتأكيد على أن تحقيق التنمية المنشودة يظل رهيناً بتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية بين مختلف جهات المملكة، داعياً إلى توجيه الاستثمارات نحو المناطق الأقل استفادة من ثمار النمو، بهدف بناء نموذج تنموي أكثر عدالة وإنصافاً يضمن تكافؤ الفرص ويحافظ في الوقت نفسه على صلابة المالية العمومية واستقرار الاقتصاد الوطني.

وبدت الرسائل التي حملها خطاب فاس واضحة في تأكيدها على أن الرهان خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط على تشخيص الأعطاب الاجتماعية والاقتصادية، بل على تقديم حلول مدعومة بالأرقام والمعطيات الواقعية، وهو المجال الذي يراهن فيه لقجع على خبرته التقنية الطويلة في تدبير المالية العمومية، واضعاً الملفات المرتبطة بالقدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية والسيادة الاقتصادية في صدارة النقاش العمومي.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك