هل أشعل لقجع مواجهة انتخابية مع الأحرار أم هو تهرّب من أسئلة أكبر؟

هل أشعل لقجع مواجهة انتخابية مع الأحرار أم هو تهرّب من أسئلة أكبر؟
ديكريبتاج / الجمعة 28 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا

تصريحات فوزي لقجع الأخيرة تفتح باباً أوسع بكثير من مجرد الرد السياسي على تسجيل صوتي منسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، لأن الرجل لا يتحدث فقط بصفته قيادياً في حزب الأصالة والمعاصرة، بل بصفته أيضاً الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، أي أحد المسؤولين عن تدبير واعتماد جزء مهم من الاختيارات والاعتمادات المالية للدولة.

ومن هنا يصبح من المشروع سياسياً طرح سؤال بسيط لكنه ثقيل: عندما يتحدث لقجع عن «فراقشية المواشي» وعن المضاربات التي أرهقت جيوب المغاربة، هل ينبغي أن ينتهي النقاش عند تحميل المضاربين وحدهم المسؤولية، أم يجب أيضاً فتح النقاش حول السياسات العمومية والآليات المالية التي سمحت بوصول الدعم والتمويل إلى فاعلين اقتصاديين استفادوا من تلك البرامج؟

ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن مجرد توقيع مسؤول حكومي على ميزانية أو اعتماد مالي يجعله مسؤولاً شخصياً عن كل مستفيد من ذلك التمويل، فالمسؤولية القانونية والإدارية تحتاج إلى تحديد دقيق للاختصاصات والمساطر والقرارات والجهات المتدخلة. لكن المسؤولية السياسية شيء آخر، لأنها تفرض على المسؤول أن يشرح للمواطنين كيف صُممت البرامج، ومن استفاد منها، وما هي شروط الاستفادة، وكيف تمت مراقبة النتائج، ولماذا انتهت بعض التدخلات العمومية إلى نتائج أثارت غضباً واسعاً لدى المواطنين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملف يمس قوت الأسر وقدرتها على شراء اللحوم والأضاحي والمواد الأساسية.

وهنا تحديداً تصبح عبارة «الإرهابيين الحقيقيين» التي استعملها لقجع ضد من قال إنهم حولوا فرحة العيد إلى قلق، قابلة للنقاش السياسي، لأن المواطن العادي لا يبحث فقط عن أسماء المضاربين أو الوسطاء، بل يريد أن يعرف أين كانت أجهزة المراقبة، وكيف اشتغلت منظومة الدعم، ولماذا لم تمنع الاختلالات التي جعلت أسعار المواشي تصل إلى مستويات أثقلت كاهل الأسر. وإذا كانت هناك بالفعل ممارسات احتكارية أو مضاربات غير مشروعة، فمن حق المغاربة أن يعرفوا من استفاد منها، ومن قصّر في مراقبتها، وما الإجراءات التي اتخذت لاسترجاع الثقة ومنع تكرار السيناريو.

أما حديث لقجع عن رفض «ثقافة توزيع الغنائم»، فهو بدوره يثير مفارقة سياسية لافتة، لأن الساحة الحزبية المغربية تعيش في هذه المرحلة على وقع صراع واضح حول الاستقطاب والمرشحين والمواقع الانتخابية، والتسجيلات الصوتية المتداولة أصبحت جزءاً من هذا المشهد. ولذلك يمكن قراءة التصريحات من زاويتين: الأولى أنها دفاع عن صورة حزب يريد تقديم نفسه باعتباره حزب الاستحقاق والعمل والنتائج، والثانية أنها جزء من معركة سياسية بدأت ترتفع حرارتها تدريجياً مع اقتراب انتخابات 2026، خصوصاً بعدما كانت الحياة الحزبية تبدو في نظر كثير من المواطنين باردة وبعيدة عن انشغالاتهم اليومية.

والسؤال الأكثر إثارة هنا هو: هل يعرف المسؤولون السياسيون شيئاً لا يعرفه المواطن العادي، أم أن المشكلة في أن المواطن أصبح يسمع كثيراً من الخطابات ولا يرى نتائجها بالقدر نفسه؟ فالمغربي الذي يواجه ارتفاع الأسعار، وصعوبة الحصول على عمل، وتكاليف العلاج والتعليم والسكن، لا تعنيه كثيراً المناوشات بين القيادات الحزبية، ولا التسجيلات المسربة، ولا الاتهامات المتبادلة حول استقطاب المرشحين، بقدر ما يعنيه أن يجد لحماً بسعر معقول، ومدرسة عمومية محترمة، ومستشفى يوفر العلاج، وفرصة عمل تحفظ كرامته.

ومن هذه الزاوية، فإن المعركة الحقيقية ليست بين لقجع والطالبي العلمي، ولا بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار، وإنما بين الخطاب السياسي وواقع المواطن.

وإذا كان المسؤولون يتحدثون عن النتائج، فإن من حق المواطن أن يطلب منهم عرض هذه النتائج بالأرقام، وأن يسأل عن تكلفة السياسات العمومية، وعن المستفيدين من الدعم، وعن أثر كل برنامج على الأسعار والدخل وفرص الشغل. فالنتائج لا تقاس فقط بمؤشرات الاقتصاد الكلي، وإنما أيضاً بما يبقى في جيب الأسرة المغربية في نهاية الشهر.

وقد يكون من السهل سياسياً تحويل النقاش نحو «التسجيل» ومن سربه ومن يقف وراءه، لكن ذلك قد يكون هروباً من السؤال الأكبر. لأن التسجيل، مهما كان محتواه، لا يغير شيئاً من واقع المغاربة، بينما أسعار المواد الأساسية والبطالة وجودة الخدمات العمومية تفعل ذلك كل يوم. وإذا تحولت التسريبات إلى مادة لتبادل الاتهامات بين الأحزاب، فإنها قد تخدم في النهاية وظيفة واحدة، وهي تسخين مشهد انتخابي كان يحتاج إلى نقاش حقيقي حول البرامج، لا إلى تسريبات ومواجهات شخصية.

فإن تصريحات لقجع يمكن أن تكون فرصة لفتح نقاش جدي حول المسؤولية السياسية والمالية، بدل الاكتفاء بتبادل الرسائل الانتخابية. فحين يقول مسؤول إن الأولوية هي القدرة الشرائية، فإن المواطن سيطالبه بالضرورة بأن يرى هذه الأولوية في الأسعار والسياسات والقرارات، وحين يقول إن العمل والجدية والاستحقاق هي معيار المسؤولية، فإن المعيار نفسه يجب أن يطبق على الجميع، داخل الحكومة والأحزاب والمؤسسات، لأن المغرب لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج السياسي بقدر ما يحتاج إلى إجابات واضحة وحلول ملموسة تعيد للمواطن الثقة بأن السياسة يمكن أن تغير حياته فعلاً.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك