أنتلجنسيا:أبو جاسر
على إيقاع حسابات انتخابية معقدة وموازين قوى متقلبة، تتحول دائرة الرباط ــ المحيط إلى واحدة من أكثر الجبهات سخونة في تشريعيات 23 شتنبر، بعدما فرضت نفسها خلال السنوات الأخيرة كـ"مقبرة سياسية" أسقطت أحزاباً كانت تتصدر المشهد، وفتحت الباب أمام صعود قوى جديدة قلبت كل التوقعات.
ففي هذه الدائرة التي لا تعترف بالتاريخ الانتخابي ولا تمنح صكوك الفوز المسبقة لأي حزب، تبدو المعركة المقبلة أبعد من مجرد تنافس بين مرشحين معروفين أو وجوه سياسية ثقيلة. إنها مواجهة مفتوحة على جميع الاحتمالات، في ظل سجل انتخابي مليء بالمفاجآت والانقلابات السياسية المتلاحقة.
قبل عشر سنوات فقط، كان حزب العدالة والتنمية يهيمن على الدائرة ويحصد مقعدين برلمانيين بعد تصدره النتائج بأكثر من 29 ألف صوت، بينما اقتسم الأصالة والمعاصرة وفدرالية اليسار المقعدين المتبقيين. أما التجمع الوطني للأحرار فكان خارج الحسابات تماماً بأقل من أربعة آلاف صوت.
لكن انتخابات 2021 نسفت المشهد بالكامل. فقد قفز التجمع الوطني للأحرار إلى صدارة النتائج بأكثر من 15 ألف صوت، وانتزع مقعداً برلمانياً، فيما اقتسم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والحركة الشعبية المقاعد الثلاثة الأخرى. أما العدالة والتنمية، الذي كان سيد الدائرة في 2016، فخرج خالي الوفاض بعد انهيار غير مسبوق في رصيده الانتخابي، بينما فقدت فدرالية اليسار موطئ قدمها داخل البرلمان.
هذا التحول الحاد كشف حقيقة أصبحت راسخة داخل المحيط: لا أحد يحتكر الفوز، ولا وجود لمقاعد مضمونة مهما كانت قوة الحزب أو شهرة مرشحيه.
وزادت الانتخابات الجزئية لسنة 2024 من تعقيد المشهد، بعدما احتفظ التجمع الوطني للأحرار بالمقعد الشاغر عبر مرشحه سعد بنمبارك. غير أن النتيجة جاءت في سياق مشاركة ضعيفة للغاية لم تتجاوز 6.66 في المائة من مجموع الناخبين المسجلين، وهو ما جعل كثيراً من المراقبين يعتبرونها مؤشراً محدود الدلالة أكثر من كونها اختباراً حقيقياً لموازين القوى المقبلة.
ومع اقتراب موعد الاقتراع التشريعي، ترتفع درجة الترقب بسبب طبيعة الأسماء التي دفعت بها الأحزاب الكبرى إلى الواجهة. فالأصالة والمعاصرة يراهن على محمد المهدي بنسعيد، فيما اختار العدالة والتنمية مصطفى الخلفي، ودفع الاتحاد الاشتراكي بعبد الكريم بنعتيق، بينما يدخل التجمع الوطني للأحرار بطه الجماني، ويواصل حزب الاستقلال الرهان على عبد الإله البوزيدي، إلى جانب مرشحين آخرين يمثلون الحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية وفدرالية اليسار.
وتمنح هذه التركيبة للدائرة طابعاً استثنائياً، إذ تجمع وزراء سابقين وبرلمانيين وقادة حزبيين داخل مساحة انتخابية واحدة لا تتوفر سوى على أربعة مقاعد، ما يجعل هامش الخطأ ضيقاً للغاية، ويحول كل صوت إلى عنصر حاسم في رسم الخريطة السياسية المقبلة.
غير أن العامل الأكثر إثارة في هذه المعركة لا يتعلق بالأسماء بقدر ما يرتبط بسلوك الناخبين أنفسهم. فالعزوف الانتخابي الذي طبع الاستحقاقات الجزئية الأخيرة يضع جميع الأحزاب أمام تحد حقيقي يتمثل في إقناع الكتلة الصامتة بالعودة إلى صناديق الاقتراع. وإذا استمر ضعف المشاركة، فإن الكلمة الفصل قد لا تكون للشخصيات الأكثر شهرة، بل للتنظيمات الحزبية القادرة على التعبئة الميدانية والوصول إلى الناخبين يوم التصويت.
لهذا السبب تبدو كل السيناريوهات مفتوحة في دائرة المحيط. فالحزب الذي تصدر المشهد بالأمس قد يجد نفسه خارج الحسابات غداً، والمرشح الذي يدخل السباق بثقل سياسي وإعلامي قد يكتشف أن ذلك لا يكفي لحصد مقعد برلماني.
ومع اقتراب الحسم، تتحول الرباط ــ المحيط إلى مختبر سياسي حقيقي تختبر فيه الأحزاب قوتها التنظيمية وقدرتها على استعادة الثقة. أما النتيجة النهائية فلن يحددها تاريخ المرشحين ولا ألقابهم السياسية، بل ذلك الصندوق الذي سبق أن أسقط الكبار وفتح الطريق أمام مفاجآت لم تكن في الحسبان.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك