أنتلجنسيا:ياسر اروين
فجّرت مريم جمال الإدريسي القيادية بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بجهة الدار البيضاء–سطات مواجهة سياسية وتنظيمية جديدة، بعدما خرجت ببيان حقيقة مطول ترد فيه على ما ورد في بيان سابق لرئيس لجنة البت المكلفة باختيار وكيلة اللائحة الجهوية، رافضة اختزال اعتراضها في مجرد غضب بسبب عدم الحصول على التزكية، ومؤكدة أن جوهر الخلاف يتعلق بمسطرة الاختيار وبإقحام معيار مالي في آلية يفترض أن تخدم التمييز الإيجابي لفائدة النساء.
الرد الجديد اختار الذهاب مباشرة إلى صلب القضية، إذ اعتبرت صاحبته أن البيان المقابل لم يفنِ جوهر اعتراضاتها، بل كشف، بحسب قراءتها، عن وقائع تعزز الأسئلة التي طرحتها منذ انعقاد لجنة البت، خصوصاً بشأن الجهة التي تملك قانونياً وتنظيمياً صلاحية اختيار وكيلة اللائحة الجهوية.
وتقول المعنية إن القانون الداخلي للحزب يسند هذه المهمة إلى المكتب السياسي، بينما أقر البيان المقابل، وفق ما أوردته، بأن مسطرة داخلية نقلت الاختصاص إلى لجنة تضم وكلاء اللوائح المحلية. ومن هنا تطرح سؤالاً مركزياً حول مدى قانونية نقل اختصاص أصيل من جهاز حزبي إلى هيئة أخرى بواسطة مسطرة داخلية، دون المرور عبر الجهة المخولة بتعديل القانون الداخلي والمصادقة عليه.
وتذهب في ردها أبعد من ذلك، معتبرة أن اللجنة لم تعد مجرد هيئة تقنية مكلفة بترتيب المعطيات، وإنما أصبحت صاحبة سلطة تقريرية فعلية في اختيار الوكيلة، في حين لم يعد دور المكتب السياسي، حسب روايتها لما ورد في البيان السابق، يتجاوز إجازة النتيجة بعد اتخاذ القرار.
وتتركز إحدى أعنف نقاط المواجهة حول ما تصفه المرشحة بـ«المعيار المالي»، بعدما أكدت أن رئيس اللجنة أقر بطلب مبلغ مالي من كل مرشحة وكتابته في ورقة موقعة يتم الاحتفاظ بها إلى حين المداولات.
وترفض صاحبة البيان مساواة هذا الإجراء بمجرد إعلان الاستعداد لدعم الحملة الانتخابية، معتبرة أن هناك فارقاً جوهرياً بين مساهمة سياسية ومالية يتم الإعلان عنها وفق القواعد القانونية بعد تحديد المسؤوليات، وبين مطالبة مرشحة بتحديد مبلغ مالي وكتابته وتوقيعه أمام هيئة تمتلك سلطة تقرير التزكية.
وبحسب روايتها، فإن اعتراضها لم يكن موجهاً ضد تمويل الحزب أو دعم حملته، بل ضد إدخال رقم مالي مكتوب وموقع في عملية المفاضلة بين المرشحات، بما قد يحول المال، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى عنصر مؤثر في تحديد من تحصل على التزكية.
وترى أن مجرد وضع المساهمة المالية ضمن المعايير الأربعة لا يحسم طبيعة وزنها الحقيقي في المداولات، خصوصاً إذا كان عدم تقديم مبلغ محدد يمكن اعتباره إخلالاً بمبدأ الإنصاف أو العدالة، كما ورد في البيان الذي ترد عليه.
وتحولت قضية «المال» بذلك إلى قلب المعركة السياسية، لأن صاحبة البيان تعتبر أن آلية اللائحة الجهوية ليست امتيازاً حزبياً قابلاً للتفاوض المالي، وإنما تدبير قانوني يرمي إلى تعزيز تمثيلية النساء ودفع الأحزاب نحو المناصفة.
ومن هذا المنطلق، تحذر من أن جعل القدرة المالية عاملاً في المفاضلة قد يؤدي عملياً إلى إقصاء نساء يمتلكن الكفاءة والتجربة والنضال السياسي، لكنهن لا يملكن الإمكانات المالية نفسها، وهو ما تعتبره تفريغاً للتمييز الإيجابي من الغاية التي أحدث من أجلها.
كما ترفض بشدة وصف اللائحة الجهوية بـ«الريع»، معتبرة أن وصف آلية أقرها المشرع لفائدة النساء بهذه الطريقة يطرح سؤالاً سياسياً على الحزب نفسه: إذا كانت الآلية ريعاً، فلماذا المشاركة فيها واستثمارها انتخابياً بدل المطالبة بتغييرها عبر المؤسسات المختصة؟
وفي نقطة أخرى، تشكك المرشحة في افتراض أن وكلاء اللوائح المحلية هم بالضرورة الأكثر قدرة على تقييم التاريخ النضالي والسياسي والمهني لجميع المرشحات، مشيرة إلى أن بعضهم قد لا يمتلك معرفة كافية بالمسارات التنظيمية والحقوقية والمهنية للمتنافسات.
وتضيف أن طبيعة اللجنة نفسها قد تثير إشكالاً موضوعياً، باعتبار أن أعضاءها، وفق تصورها، يوجدون في الوقت ذاته في موقع يتيح لهم اختيار الوكيلة وفي حاجة إلى موارد مالية لدعم حملاتهم المحلية، وهو ما يجعل السؤال عن تضارب المصالح مشروعاً، دون أن يعني ذلك، بحسب تأكيدها، اتهام أي عضو بسلوك شخصي غير قانوني.
وترد صاحبة البيان أيضاً على اتهامها بأنها لم تعترض إلا بعدما تأكدت من عدم حصولها على التزكية، مؤكدة أن اعتراضها وقع داخل قاعة اللجنة نفسها، وأنها رفضت آنذاك كتابة مبلغ مالي وتوقيعه، وأعلنت بوضوح موقفها من المسطرة.
وتعتبر أن القول بمعرفتها المسبقة بنتيجة التزكية يفتح بدوره سؤالاً أكثر حساسية حول سرية المداولات، خصوصاً إذا كان رئيس اللجنة نفسه قد تحدث عن النتيجة أو ما يفيد علمه بموقفها قبل الإعلان عنها.
كما تنفي بشكل قاطع أن تكون قد سربت التقرير الذي أعدته بعد الواقعة إلى وسائل الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدة أنها فوجئت بنشره، وأنها وجهت التقرير إلى قيادة الحزب في إطار ممارسة حقها في الاعتراض وتوثيق ما تعتبره خروقات للمسطرة.
وتنتقل المواجهة بعد ذلك إلى ملف الطعن، حيث ترى صاحبة البيان أن الحديث عن وجود أبواب مفتوحة للاعتراض لا يكفي لضمان حق حقيقي في الطعن، ما لم تكن المسطرة قد نشرت مسبقاً بشكل واضح، وتم تمكين المرشحات من نسختها الكاملة، وتحديد آجال الاعتراض والجهة المخولة للبت فيه قبل تنفيذ القرار.
وتعتبر أن الطعن الذي يأتي بعد تطبيق قواعد لم تكن معلنة بشكل كامل يفقد جزءاً أساسياً من فعاليته، خصوصاً إذا كان القرار قد أصبح واقعاً يصعب تغييره.
وتثير كذلك نقطة بالغة الحساسية تتعلق بمصير تظلمها، إذ تقول إن البيان المقابل أقر بأن المكتب السياسي قرر «صرف النظر» عن تظلمها بسبب نشر موقفها، معتبرة أن ذلك يطرح سؤالاً جوهرياً حول ما إذا كان التعبير عن الاعتراض يمكن أن يتحول إلى سبب لمعاقبة صاحبه بدل مناقشة مضمون الطعن.
كما تطعن في الأساس الذي استند إليه إعلان تخليها عن الانتماء للحزب، معتبرة أن المادة 508 من القانون الداخلي، التي جرى الاستناد إليها، تتعلق بحالات محددة مرتبطة برفض الموقع المحدد في اللائحة أو رفض التوقيع عليها، بينما تؤكد أنها لم تكن في وضعية رفض موقع انتخابي منح لها، وإنما كانت تعترض على مسطرة الاختيار نفسها وعلى المعيار المالي الذي صاحبها.
وتضيف أن اتخاذ قرار يمس عضويتها دون استدعائها أو الاستماع إليها أو تمكينها من الدفاع عن نفسها يثير، من وجهة نظرها، إشكالاً يتعلق بضمانات الدفاع والمساطر الداخلية الواجب احترامها.
ولم تسلم حتى العبارات التي وردت بشأن لباس وكيلة اللائحة وسفرها إلى إيطاليا من انتقاداتها، إذ اعتبرتها صاحبة البيان خطاباً تبخيسياً للنساء، رافضة تصوير المرشحة المستفيدة من اللائحة الجهوية باعتبارها مجرد امرأة تنتظر مقعداً جاهزاً أو امتيازاً مضموناً.
وتؤكد أن وكيلة اللائحة ليست مجرد مستفيدة من ترتيب انتخابي، بل فاعلة سياسية يفترض أن تتحمل مسؤولية الحملة والتأطير والتواصل والترافع والدفاع عن مشروع الحزب، كما أن المقعد الجهوي نفسه لا يصبح مضموناً بمجرد الحصول على التزكية، وإنما يبقى رهيناً بنتائج الاقتراع والقواعد الانتخابية المعمول بها.
وفي ختام ردها، تحاول صاحبة البيان رسم حدود واضحة لمعركتها، مؤكدة أنها لم تتهم أعضاء اللجنة بالفساد، ولم تنسب إلى أي شخص تلقي أموال، وإنما اعترضت على مسطرة قالت إنها جعلت المساهمة المالية عنصراً في عملية الاختيار، وعلى طلب مبالغ مكتوبة وموقعة من المرشحات.
كما تشدد على أنها لم ترفض دعم الحزب، وإنما رفضت أن يتحول الدعم المالي إلى التزام رقمي سري وموقع يمكن أن يدخل في مداولات منح التزكية، معتبرة أن اعتراضها كان سابقاً على إعلان النتيجة وليس رد فعل على خسارة سياسية.
وبلغة حادة، تختتم المرشحة ردها بالتأكيد على أن تاريخ الاتحاد الاشتراكي في الدفاع عن حقوق النساء لا يمنح أي قيادة حصانة من النقد، وأن الوفاء لهذا التاريخ، في نظرها، لا يكون بالصمت، وإنما بمواجهة ما تعتبره انحرافاً عن مبادئ الحزب وقيمه.
وهكذا انتقلت قضية التزكية في جهة الدار البيضاء–سطات من خلاف داخلي حول اختيار وكيلة لائحة إلى مواجهة أوسع حول حدود السلطة داخل الحزب، وشفافية المساطر، ودور المال في التزكيات، وضمانات الدفاع، والمعنى الحقيقي للتمييز الإيجابي لفائدة النساء، في ملف مرشح لمزيد من التصعيد السياسي والتنظيمي.
وهذا النص الكامل لبيان الحقيقة:
بيان حقيقة ورد على ما نشر بشأن لجنة البت
اطلعت على البيان المنشور من طرف رئيس لجنة البت في اختيار وكيلة اللائحة الجهوية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بجهة الدار البيضاء–سطات، والذي أورد فيه اسمي ونسب إلي جملة من المواقف والوقائع والاستنتاجات التي تستوجب التوضيح والرد، احتراما للحقيقة ولحق الرأي العام في الاطلاع على وجهتي النظر.
وأؤكد بداية أن خلافي لم يكن يوما خلافا شخصيا مع رئيس اللجنة أو مع أعضائها، ولم أستهدف أحدا في شخصه أو حياته الخاصة، ولم يكن اعتراضي ناتجا عن عدم حصولي على التزكية، بل كان اعتراضا سياسيا وتنظيميا وقانونيا على مسطرة اكتشفت حقيقتها يوم انعقاد لجنة البت، وعلى معيار مالي اعتبرت أنه أقحم في تدبير آلية قانونية للتمييز الإيجابي لفائدة النساء.
والبيان المنشور، رغم طوله، لم ينف جوهر ما قلته، بل أكد، من حيث لا يدري، عددا من الوقائع التي اعترضت عليها.
أولا: البيان يعترف بتغيير الاختصاص الأصلي المنصوص عليه في القانون الداخلي
أقر البيان صراحة بأن القانون الداخلي للحزب يجعل سلطة البت في اختيار وكيلات اللوائح الجهوية من اختصاص المكتب السياسي، ثم أضاف أن مسطرة داخلية نقلت هذا الاختصاص إلى لجنة تتكون من وكلاء اللوائح المحلية.
وهذا الإقرار هو صلب الاعتراض الذي عبرت عنه.
فإذا كان الاختصاص مقررا للمكتب السياسي بموجب القانون الداخلي، فالسؤال القانوني والتنظيمي هو: هل يجوز لورقة داخلية أدنى مرتبة أن تنقل اختصاصا أصيلا قرره نص أعلى منها؟ وهل يمكن لمسطرة ظرفية أن تعدل القانون الداخلي أو تعطل مقتضياته دون عرضها على المجلس الوطني، صاحب الاختصاص في المصادقة على القانون الداخلي وتعديله؟
أما استناد البيان إلى المادة 176 من النظام الأساسي، فإن هذه المادة، وفق النص الذي أورده بنفسه، تسمح بتحديد تشكيلة اللجان، لكنها لا تعني بالضرورة جواز نقل سلطة البت المقررة بنص صريح من جهاز إلى جهاز آخر، ولا تسمح بتحويل وكلاء اللوائح المحلية إلى هيئة انتخابية بديلة عن المكتب السياسي.
والحقيقة أن «لجنة البت» بهذه الصيغة لم تكن مجرد لجنة تقنية، بل مُنحت سلطة تقريرية فعلية في اختيار الوكيلة، بينما اقتصر دور المكتب السياسي، بحسب البيان نفسه، على إجازة النتيجة بعد وقوعها.
ثانيا: لا وجود لتعاقد مسطري دون إعلان سابق وكامل للمسطرة ومعاييرها
يزعم البيان أن المسطرة نشرت على أوسع نطاق، لكنه لم يحدد:
- تاريخ نشرها؛
- وسيلة نشرها؛
- النسخة الرسمية المعتمدة منها؛
- تاريخ تبليغ المعايير الأربعة إلى المرشحات؛
- ولا ما يثبت اطلاع المرشحات مسبقا على إلزامهن بكتابة مبلغ مالي وتوقيعه.
بل إن البيان يقر بأن المكتب السياسي اجتمع صباح يوم 20 غشت للمصادقة على رؤساء لجن البت و«تأكيد المعايير الأربعة»، وأن المرشحات اجتمعن بالكاتب الأول في اليوم نفسه قبل انطلاق أعمال اللجان.
فكيف يتحدث عن تعاقد مسطري سابق، بينما يجري تأكيد عناصر جوهرية من المسطرة في صباح يوم البت نفسه؟
المسطرة التي تم تمكيننا منها عند تقديم الترشيحات لم تتضمن، بصورتها التي توصلنا بها، إلزام المرشحة بتحرير مبلغ مالي في ورقة موقعة، ولم توضح أن وكلاء اللوائح المحلية سيختارون وكيلة اللائحة بناء على هذا الالتزام.
والتصفيق في اجتماع عام لا يعد قبولا قانونيا بتفاصيل لم تعرض بشكل واضح، كما أن عدم الاعتراض الفوري لا يصحح مسطرة لم تبلغ كاملة، ولا يحرم أي مرشحة من حقها في الاعتراض عند اكتشاف طريقة تطبيقها.
ولا يمكن الحديث عن مسطرة ملزمة للمرشحات ما دامت لم تنشر وتوزع عليهن بصيغتها الكاملة، ولم تعرض على المجلس الوطني رغم ما أدخلته من تغيير جوهري، ولم يفتح بشأنها أجل للطعن قبل تطبيقها.
ثالثا: البيان يؤكد أن المساهمة المالية تحولت إلى تعهد مكتوب وموقع
أكد رئيس اللجنة أنه كان يطلب من كل مرشحة أن تكتب مبلغ مساهمتها المالية في ورقة موقعة يحتفظ بها إلى حين المداولات.
وهنا يوجد جوهر الإشكال.
فالحديث العام عن الاستعداد للمساهمة في الحملة الانتخابية شيء، وإلزام المرشحة بكتابة مبلغ محدد وتوقيعه أمام لجنة تقرر في التزكية شيء آخر تماما.
لم أرفض دعم حملة الحزب، بل قدمت مشروعا متكاملا، وأعلنت استعدادي لتحمل نفقات مهمة لتنفيذه، وفق برنامج واضح، وفي احترام تام للقانون ومراقبة مصادر الأموال وأوجه صرفها. علما ان اللائحة تتضمن أسماء نساء أخريات سيساهمن في مشروع البرنامج الذي تكلفت بإعداده، وفق القواعد القانونية المطلوبة.
ما رفضته هو تحويل هذا الاستعداد إلى رقم مكتوب وموقع يدرج ضمن مداولات الاختيار، بما قد يجعله يبدو مقابلا محتملا للتزكية أو معيارا للمفاضلة بين المرشحات.
ولو كانت الغاية مجرد إعداد ميزانية قانونية للحملة، لكان المطلوب من كل مرشحة تقديم تصور مالي وبرنامج للنفقات بعد اختيارها، لا وضع مبلغ سري وموقع أمام لجنة تمتلك سلطة منح التزكية.
أما القول إن المساهمة المالية كانت المعيار الرابع والأخير، فلا ينفي أثرها، لأن ترتيب المعايير لا يحدد وزنها الحقيقي أثناء المداولات. والبيان نفسه خصص جزءا طويلا لتبرير أهمية المال، واعتبر عدم تقديمه إخلالا بالعدل والإنصاف، بما يكشف المكانة الحقيقية التي احتلها هذا المعيار.
رابعا: لا يجوز تحميل آلية التمييز الإيجابي ما لم يحملها إياه القانون
اللائحة الجهوية ليست منحة من الحزب، ولا مقعدا شخصيا يمنحه وكلاء اللوائح المحلية لمن يدفع أكثر. إنها آلية قانونية أقرها المشرع لتصحيح ضعف تمثيلية النساء وتحقيق التقدم نحو المناصفة.
ويحق للأحزاب اعتماد معايير الكفاءة والإشعاع والمسار النضالي والمشروع السياسي، لكن لا يجوز تحويل القدرة المالية إلى شرط فعلي للاستفادة من آلية وضعت أصلا لتوسيع مشاركة النساء، بمن فيهن النساء غير القادرات على تقديم مبالغ كبيرة.
فإذا أصبح المال عنصرا في المفاضلة بين المرشحات، فإننا نكون أمام إقصاء غير مباشر للكفاءات النسائية غير الميسورة، وإفراغ للتمييز الإيجابي من غايته الدستورية.
أما وصف اللائحة الجهوية بأنها «لائحة ريع»، فهو وصف مرفوض. فمن أعطى الحزب حق تبخيس آلية قانونية أقرها المشرع لفائدة النساء؟ وإذا كان الحزب يعتبرها ريعا، فلماذا يشارك فيها ويمنح تزكياتها؟ كان الأجدر به الترافع من أجل إلغائها وليس استغلالها لفائدة الدوائر ومرشحيها، لغايات مالية محضة.
الريع الحقيقي ليس في تمكين النساء بنص القانون، بل في إغلاق الترشيح وربطه بالولاء أو القدرة المالية... الريع هو جعل مرشحي الدوائر يستفيدون من منابع تمويل تفرض قصرا وجبرا على نساء متعهن المشرع بشروط محددة من مسطرة الترشح وفق تدابير انتقالية ومؤقتة.
خامسا: وكلاء اللوائح المحلية ليسوا بالضرورة مؤهلين لتقييم التاريخ النضالي للمرشحات
قيل إن وكلاء اللوائح المحلية هم الأكثر معرفة بمرشحات الجهة. وهذا افتراض لا دليل عليه.
فبعض هؤلاء قد يكون حديث الالتحاق بالحزب، ولا يعرف المسار التنظيمي والنضالي للمرشحات داخله وخارجه، ولا يملك بالضرورة المعطيات التي تخوله تقييم إشعاعهن الحقوقي أو السياسي أو المهني.
ثم إن لهم مصلحة مباشرة في الحصول على مساهمات مالية لدعم حملاتهم، وهو ما يجعل الهاجس المالي حاضرا موضوعيا في قرارهم، حتى مع افتراض حسن النية.
ولا يتعلق الأمر بالطعن في أشخاصهم، وإنما بالسؤال عن مدى سلامة تشكيل لجنة تجمع بين سلطة اختيار الوكيلة وبين مصلحة أعضائها المباشرة في التمويل الذي يطلب منها.
سادسا: لم أنتظر نتيجة التزكية حتى أعترض
القول إنني لم أعترض إلا بعد علمي بعدم حصولي على التزكية لا يستقيم مع الوقائع.
لقد اعترضت داخل قاعة اللجنة نفسها، ورفضت كتابة مبلغ مالي وتوقيعه، وعبرت بوضوح عن أن ذلك يتعارض مع قناعتي ومع فهمي لقيم الحزب ولغاية التمييز الإيجابي.
والقول بعلمي المسبق بعدم تزكيتي، هو اتهام للجنة بعدم احترام سرية مداولاتها، وهذا أمر يزيد الطينة بلة، ويؤكد أن الرئيس يقر بأن السرية لم تكن متوفرة، مما يزيد من احتمال تسريب المعطيات المتعلقة بالمبلغ المدون على ورقة بين المترشحات اللائي انخرطن في لعبة المزاد غير العلني، ولكنه مسرب.
ثم بادرت إلى تحرير تقرير مفصل وشجاع بشأن ما وقع، وأرسلته إلى قيادة الحزب، متحملة كامل مسؤوليتي عن مضمونه. كما أن التسلسل الزمني للرسائل والتقارير والاستقالة والبلاغات المنشورة ثابت ويمكن الرجوع إليه، وهو يدحض محاولة اختزال موقفي في رد فعل على عدم الحصول على التزكية.
وللإشارة، والتأكيد أيضا، لم أسرب التقرير لأي منبر إعلامي ولم أنشره بأي موقع تواصل اجتماعي، كما تم اتهامي، بل إنني فوجئت بنشره باستغراب كبير.
وقد كنت واعية منذ لحظة اعتراضي داخل اللجنة بأن رفضي تقديم الرقم المالي سيخرجني عمليا من المنافسة. لذلك لم أنتظر نتيجة حتى أكتشف موقفي، بل عبرت عنه عندما كان يمكن للصمت أن يكون أكثر نفعا لي شخصيا. لكن قيمي ومبادئي ترفض الصمت، لأنه سيكون مشاركة في هدر حقوق لا تقبل المزايدة.
سابعا: حق الطعن لا يكون حقيقيا بعد تنفيذ القرار أو تغيير قواعد المنافسة
يقال إن أبواب الطعن كانت مفتوحة، لكن أي طعن فعال يفترض:
- نشر المسطرة مسبقا؛
- تمكين المرشحات من نسختها الكاملة؛
- فتح أجل للطعن قبل تطبيقها؛
- بيان الجهة المختصة وآجال البت؛
- وتعليل القرار المتخذ.
أما تطبيق مسطرة مستحدثة يوم البت، ثم مطالبة المتضررة بالطعن بعد ترتيب نتائجها، فلا يوفر ضمانة جدية.
والأخطر أن البيان يعترف بأن المكتب السياسي قرر «صرف النظر» عن تظلمي بسبب نشر موقفي. أي إن التظلم لم يدرس في جوهره، ولم تتم الإجابة عن الخروقات المثارة فيه، بل عوقبت صاحبته على التعبير عنها.
فهل يصبح حق الطعن مشروطا بالصمت؟ وهل يجوز للجهاز المطعون أمامه أن يصرف النظر عن الطعن، ثم يتخذ في حق صاحبته قرارا يمس عضويتها دون استماع إليها أو تمكينها من الدفاع؟
ثامنا: إعلان التخلي عن الانتماء ليس جزاء يصدر دون ضمانات الدفاع
استند البيان إلى المادة 508 من القانون الداخلي، مع أن تنزيلها على وضعيتي محل منازعة جدية، فهي تتحدث عن المرشح الذي يرفض الموقع المحدد له في اللائحة أو يرفض التوقيع فيها، بينما لم أكن أمام حالة رفض موقع منح لي، بل أمام اعتراض على مسطرة ومعيار مالي سابقين على اختيار الوكيلة.
كما أن الحزب أعلن «تخليي عن الانتماء» دون استدعائي أو الاستماع إلي أو تمكيني من حق الدفاع، ودون سلوك مسطرة تأديبية تتوفر فيها الضمانات الأساسية.
ولا يستقيم أن يستشهد البيان باللجنة الوطنية للتحكيم والأخلاقيات بوصفها ضامنة للحقوق، بينما صدر القرار بهذه السرعة ودون تمكيني من الدفاع أمام أي جهاز.
تاسعا: العبارة المتعلقة باللباس والسفر تكشف تصورا مهينا للنساء
إن تصوير وكيلة اللائحة الجهوية بأنها، بمجرد التزكية، تستطيع تجهيز لباس افتتاح البرلمان أو السفر إلى إيطاليا وانتظار المقعد، ليس حجة قانونية ولا سياسية، بل خطاب تبخيسي يحمل نظرة نمطية ومهينة إلى النساء المستفيدات من آلية التمييز الإيجابي.
فالمرأة المرشحة ليست لباسا ولا حقيبة سفر، وليست متفرجة على مجهود الآخرين. وهي قادرة على قيادة الحملة وتأطيرها وتمويل جوانب منها والترافع عن الحزب ومراقبة الخروقات وتعبئة الناخبين.
والأشد تناقضا أن يدافع البيان عن المناصفة، ثم يستعمل صورا ساخرة تنتقص من النساء وتقدمهن كمنتفعات كسولات ينتظرن مقاعد مضمونة.
ثم إن المقعد الجهوي ليس «تعيينا» ولا يصبح مضمونا بمجرد التوقيع على التزكية؛ فهو مرتبط بنتائج الاقتراع وعدد الأصوات التي يحصل عليها الحزب وفق القواعد القانونية المنظمة للانتخابات.
عاشرا: لا أحد يملك احتكار الدفاع عن النساء
لا أنكر تاريخ الاتحاد الاشتراكي ولا أدواره في الدفاع عن حقوق النساء، وهو تاريخ ظللت أعتز به ودافعت عنه. لكن التاريخ لا يمنح حصانة للممارسات الحالية، ولا يجعل أي قيادة فوق النقد والمساءلة.
الدفاع السابق عن النساء لا يبرر اليوم وصف آلية تمكينهن بالريع، ولا ربط الاستفادة منها بالقدرة المالية، ولا إسكات مناضلة اعترضت على ذلك.
والوفاء الحقيقي لتاريخ الحزب لا يكون بالصمت على ما نعتبره انحرافا عن قيمه، وإنما بالدفاع عن تلك القيم، ولو كان لذلك ثمن شخصي.
صفوة القول،
لم أقل إن أعضاء اللجنة فاسدون، ولم أتهم شخصا بعينه بتلقي المال. قلت إن المسطرة، كما طبقت، جعلت المساهمة المالية معيارا في منح التزكية، وطلبت من المرشحات كتابة مبالغ مالية وتوقيعها، وهو ما أكده بيان رئيس اللجنة نفسه.
لم يكن اعتراضي ناتجا عن خسارة التزكية، فقد وقع داخل القاعة، قبل إعلان أية نتيجة.
لم أرفض دعم الحزب ماليا أو أدبيا؛ بل رفضت أن يتحول الدعم إلى تعهد مالي سري وموقع يعرض أثناء المداولات المتعلقة بالاختيار.
ولم أستهدف الحزب في تاريخه أو مناضليه، بل دافعت عن حقي في مساءلة مسطرة أعتبرها مخالفة للقانون الداخلي ولغاية التمييز الإيجابي وللقيم التي تعلمناها داخل الاتحاد نفسه.
أما التهديد بالانتصاف، فلن يمنعني من ممارسة حقي في التعبير والدفاع عن كرامتي وتوضيح الوقائع، مع احتفاظي بدوري بكامل حقوقي القانونية تجاه كل إساءة أو ادعاء أو تحريف لموقفي.
التاريخ النضالي لا يحمى بالصمت، والديمقراطية لا تختبر في قبول المديح، بل في القدرة على سماع النقد واحترام الاختلاف وضمان حق الدفاع.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك