أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)
نقلت مدريد أزمة سبتة إلى مستوى أمني وسياسي غير مسبوق، بعدما قرر رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز استدعاء مجلس الأمن القومي لعقد اجتماع مخصص لبحث تداعيات موجة الدخول الجماعي للمهاجرين التي شهدتها المدينة يومي 30 و31 يوليوز الماضيين، في مؤشر واضح على أن الأزمة لم تعد مجرد ملف للهجرة أو تدبير محلي عابر.
ومن المنتظر أن يترأس سانشيز، الثلاثاء، الاجتماع الذي سيخصص لتقييم الوضع في سبتة وتنسيق تحرك مختلف القطاعات الحكومية المعنية، في خطوة تأتي قبل انعقاد أول مجلس حكومي إسباني بعد العطلة الصيفية، بينما لا تزال المدينة تعاني من تداعيات موجة الهجرة وتواجه السلطات صعوبات في استكمال عمليات تحديد الهوية ومعالجة الملفات المرتبطة بالإيواء والترحيل والنقل إلى شبه الجزيرة.
وأكدت مصادر حكومية إسبانية لوكالة «إيفي» أن اجتماع مجلس الأمن القومي سيجمع مختلف المعطيات المتعلقة بالأزمة، مع التركيز على الجوانب الأمنية والإنسانية والإدارية، في محاولة لصياغة مقاربة موحدة بعدما ظل تدبير الملف موزعا خلال الأسابيع الماضية بين عدد من الوزارات والجهات الحكومية.
ويحمل القرار دلالة سياسية وأمنية قوية، لأن انتقال ملف سبتة إلى طاولة مجلس الأمن القومي يعني أن مدريد باتت تتعامل معه باعتباره قضية تتجاوز تدبير تدفقات المهاجرين، لتلامس مباشرة حسابات الأمن والاستقرار والسيادة وإدارة الحدود.
وكان سانشيز قد عقد في وقت سابق اجتماعين عبر تقنية الاتصال المرئي، يومي 7 و17 غشت، بحضور عدد من أعضاء حكومته، بهدف تنسيق الاستجابة لتداعيات الأحداث التي شهدتها سبتة، غير أن استمرار الضغط على المدينة دفع الحكومة إلى الارتقاء بالملف إلى مستوى أعلى من التنسيق المؤسساتي.
ولا تزال سبتة تعيش على وقع تداعيات الأزمة، مع استمرار وجود أعداد كبيرة من المهاجرين في مرافق مؤقتة ومناطق مختلفة من المدينة، بالتزامن مع مواصلة السلطات إجراءات التحقق من الهويات ودراسة الوضعيات القانونية للمهاجرين، بمن فيهم القاصرون غير المرافقين.
وتجد الحكومة الإسبانية نفسها في مواجهة ضغط مزدوج؛ فمن جهة، تتطلب الظروف الميدانية استجابة سريعة لتوفير أماكن الإيواء والرعاية والموارد البشرية، ومن جهة أخرى تواجه مدريد انتقادات سياسية متصاعدة من المعارضة وسلطات سبتة التي تطالب بتسريع عمليات نقل المهاجرين وتوفير إمكانيات إضافية للتعامل مع الأعداد الكبيرة الموجودة في المدينة.
وتزداد حساسية الوضع مع الملفات المرتبطة بالقاصرين والنساء والفتيات، والتي تفرض على السلطات الإسبانية ترتيبات قانونية وإنسانية خاصة، في وقت تحاول فيه الحكومة الموازنة بين مقتضيات حماية الحدود والتزاماتها القانونية تجاه الفئات الأكثر هشاشة.
ومن المرتقب أن يبحث مجلس الأمن القومي حزمة من الإجراءات الأمنية والإنسانية والإدارية، إلى جانب آليات تنسيق جديدة بين الحكومة المركزية وسلطات سبتة وباقي المؤسسات المتدخلة، بهدف الحد من تداعيات الأزمة وإعادة المدينة إلى وضعها الطبيعي.
غير أن عقد الاجتماع في هذا المستوى يبعث برسالة سياسية واضحة مفادها أن أزمة سبتة خرجت من إطار التدبير اليومي لملف الهجرة، وأصبحت جزءا من حسابات الأمن القومي الإسباني، خصوصا في ظل استمرار الغموض بشأن مصير آلاف المهاجرين الموجودين في المدينة وطريقة معالجة ملفاتهم.
وهكذا، تجد حكومة سانشيز نفسها أمام اختبار حقيقي في سبتة: إما أن تنجح في تفكيك الأزمة عبر خطة موحدة وسريعة تعيد توزيع الضغط على باقي المناطق الإسبانية، أو أن يتحول الملف إلى أزمة سياسية وأمنية أطول عمرا، تزيد من حدة المواجهة بين الحكومة والمعارضة وتعيد ملف الحدود والهجرة إلى قلب النقاش الإسباني.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك